2020- 06 - 05   |   بحث في الموقع  
logo الإمارات تتبرع باختبارات للكشف عن كورونا تكفي لنصف مليون شخص logo السودان يسجل ارتفاعًا في إصابات ووفيات كورونا logo 8 إصابات جديدة بفيروس "كورونا" في الأردن ترفع الإجمالي إلى 765 حالة logo رئيس اللجنة العلمية لمكافحة "كورونا" في مصر يكشف عن توقعاته لرقم الإصابات logo الجنيه المصري يواصل تراجعه أمام الدولار الأميركي logo شيرين: “إشاعات مالهاش أي أساس من الصحة” logo تأييد حبس أحمد الفيشاوي في قضية «لينا» logo دراسة جديدة تكشف عن فصائل الدم المعرّضة لفشل الجهاز التنفّسي
طرابلس وأزمة الحب من طرف واحد
2012-05-05 00:00:00

ما زالت المسرحيَّةُ الهزليَّة تستأنف عروضها يومياً على خشبة المجلس البلدي في طرابلس، الذي لم يخرج، منذ تعيين أعضائه، عن كونه طاحونةً من الفعل وردِّ الفعل، وسلسلةً طويلة من الأخطاء والإخفاقات. فأعضاء هذا المجلس قد تحوَّلوا إلى شهود زورٍ على الواقع المهترئ للمدينة، بعدما أغرقوا أنفسهم في لُجج الخلاف على جنس الملائكة. يدعوهم المجتمع المدني إلى الحوار وتحكيم لغة العقل والمصلحة العامة، فيُهرعون بخطى حثيثة نحو الخلاف والانفعال والارتجال، إلى أن وصلت روحُ الخصومة والعداء والتنافر بينهم إلى حدودها القصوى، فلم يعد هؤلاء الأعضاء مبالين بحاجات المدينة، لأنَّ تصفية الحسابات الشخصيَّة والسياسيَّة والمصلحيَّة التي أعمت بصائرهم، باتت تستغرق كل وقتهم في إعداد الملفّات والمستندات، التي تؤكِّد حدوث مخالفاتٍ ماليّة وهدرٍ للمال العام؛ وفي تقديم الدعاوى والإخبارات إلى النيابة العامة الماليــة وديوان المحاســبة ووزارة الداخليّة. وكلّ ذلك يدلّ على أن التعاون بين أعضاء هذا المجلس بات ضرباً من المستحيل؛ وعلى أن هذا المجــلس الذي كان في مرحلة الاحتضار لشهورٍ عدة، قد لفظ بالفــعل أنفاسه الأخيرة. ومع ذلك فهو مستمرٌ في الوجود. وكلُّ ما يتم تداوله عن استقالةِ أكثريَّة أعضائه، هو مجرد إشاعةٍ خفيـفة الظل. أولاً، لأنّ أعضاءه مجرد ودائع بشريّة لا حول لهم ولا قرار، وعندما تحين لحظة الحقيقة، عليهم الالتزام بما يقررهُ الكبارُ مِمَّنْ رشَّحهم وموَّل حملتهم الانتخابيَّة؛ وثانياً، لأنه ليست هناك أكثريَّة ثابتة ودائمة قادرة على إطاحة المجلس، وإنما هناك أقليَّة وأكثريَّة تفرضهما طبيعة الملف المثار والقضيَّة المطروحة على طاولة الخلاف والعجز والاتهام؛ ثالثاً، لأنّ الفتوى قد صدرت بتحريم إسقاطه، ما دام لا يوجد أيُّ طرفٍ من الأطراف الممسكة بالقرار السياسي في طرابلس، على استعداد لإجراء انتخابات بلديَّة جديدة، لاعتباراتٍ عدة، لعلّ أبرزها ما يرتبط بهذا الاستحقاق من إنفاقٍ لملايين الدولارات على تجهيز الماكينات الانتخابيَّة وتنظيم الحملات الإعلانيّة. وعليه فإنّ وجود المجلس بات مرهوناً بمصلحة الأطراف السياسية وحساباتهم الانتخابية الضيِّقة، وهو باقٍ على علاَّتِه وأزماته، بانتظار ما يتمُّ طبخه على نار هادئة في مطابخ السياسة الجهنّميّة، من تحالفاتٍ ومفاجآت.
وفي انتظار بلورة نهايةٍ ما، أو اجتراح حلٍّ ما، لمجلس الضرورة الانتخابيّة هذا، يمكن التأكيد أنَّ طرابلس تغرق في بحرٍ من الأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والبيئيَّة، وقد اختنقت من جرَّاء تناولها جرعاتٍ زائدة من الحرمان والإهمال والوعود العرقوبيّة. ومع ذلك يبدو كأنَّ عاصفةً من الاستكانة والانكفاء قد ضربت قاطني المدينة الذين انساقوا في دهاليز اللعبة السياسية الخبيثة التي ورَّطتهم حتى النخاع، في النـزاع السياسي الحاصل، والتي حوَّلت مدينتهم إلى صندوق بريدٍ لإرسال الرسائل وتلقِّيها؛ وإلى مجرَّد ساحةٍ لترجيع الصدى، جعلها تعيش دوماً هزات وارتدادات ما يحصل على الصعيد السياسي أو الأمني، الداخلي والإقليمي؛ وإلى خزانٍ بشري وظيفته الوحيدة أن يضخّ الساحات بالحشود، انتقاماً لسلطةٍ مفقودة، أو ثأراً لكرامةٍ مجروحة، أو تأكيداً لحضورٍ مُهدَّد. والمهتموّن فعلاً لا قولاً، يرون، بالنظر إلى القلاقل والإشكالات الأمنية التي باتت شبه يوميَّة، والتي تتنتقل من حيٍّ إلى حيّ، ومن شارعٍ إلى شارع، أنَّ أبواب طرابلس باتت مشرعةً على كلّ الاحتمالات والسيناريوهات، وأنها مُقبلةٌ، ولا سيما بفعل استغراقها حتى الثمالة، بتفاصيل الأزمة السوريَّة، على انتكاساتٍ أمنيَّةٍ قد تكون من أسوأ ما شهدته في تاريخها.
وتشخيص هذه الحالة، ليس بالأمر العسير، ولا سيّما عندما نلاحظ، بأسى شديد، أنه قد تمَّ اجتذاب الشباب الطرابلسي، ولا سيَّما المعدمين والأمِّيين والعاطلين عن العمل، واستـيعابهم داخل التيارات الدينية والأحزاب السياسية المتعـددة التي تغصُّ بها طرابلس، ومن ثمّ زجّهم في أتون الصراعات والتجاذبات المشحونة بالتعصب السياسي والمذهبي. وهكذا تصبح حركاتُ هؤلاء الشباب وسكناتهم، التي يتقاضون رواتب شهريَّة مقابلاً لها، مرهونةً بإشارةٍ ممنْ لا يتوانى عن استغلال حاجتهم ويأسهم وإحباطهم في أيِّ معركة تقتضيها مصالحهِ السياسيَّة، لتحقيق مكاسب وانتصاراتٍ هزيلة على خصومه السياسيين.
وهكذا، بَدَلا من أن يكون شباب طرابلس القوة الإيجابيّة الأبرز في المجتمع، والمعوَّل عليها في التعبير عن نبض الشارع وأحلامه وطموحاته في إحداث التغيير والإصلاح والتنمية، إذ به يتحوَّل، بفعل الاصطفافات السياسية والمصالح الفئوية، إلى شِلَلٍ وعناصر غير منضبطة سائبة وهائمة على وجهها؛ يصعب السيطرة على غضبها وردود أفعالها؛ وإلى طاقاتٍ مُستغلَّةٍ ومسلوبة الإرادة ومُسيَّرة نحو أقدارٍ لم تخترها بملء إرادتها؛ وإلى مجرد أدواتٍ، في مشاريع سياسيّة ومحاور إقليميّة تفوق قدراتها المتواضعة على الفهم والتحليل. لذلك يمكن القول إنَّ هؤلاء الشباب هم، على غرار مدينتهم، ضحيَّة الإنقسام السياسي العمودي الحاصل في البلاد، وضحيّة الإهمال الذي ينهش المدينة، والتغاضي عن سابق تصوّرٍ وتصميمٍ عن معالجة الأزمات المعيشيّة والاقتصاديّة المزمنة والمتفاقمة يوماً بعد يوم، والتركيز بدلاً من ذلك، على معالجة المشكلة الأمنية التي عندما تقع ترتجف من هولها الأفئدةُ والفرائصُ، فيُهرع الجميع إلى مداواتها وتسكينها خشية تفاقمها، وهم يعلمون علم اليقين بأنها مجرد نتيجةٍ لأسبابٍ يرفضون الاعتراف بها، والتي يمكن التعبير عنها من خلال تصنيف طرابلس في تقارير الأمم المتحدة، كأفقر مدينةٍ على البحر الأبيض المتوسط، حيث تفوق نسبة الفقراء فيها، الستين في المئة من عدد سكانها. هذا على الرغم من أنّ زعماءها ومرجعياتها السياسية هم من أصحاب المليارات والمشاريع الكبرى العابرة للدول والقارات!
إنَّ علاقة أبناء طرابلس بزعمائها هي علاقةُ حبٍّ من طرفٍ واحد، هذا الحبُّ الذي لا أمل فيه ولا رجاء منه. يقدِّمون الولاء والمناصرة وصدق المبادرة وحرارة الدعم، فيبادلونهم التسويف والتخلِّي والإهمال والتقاعس واللامبالاة، والتعامل معهم على أنهم مجرد جسورٍ بشريَّة تُوطَأ للعبور إلى النيابة والوزارة والزعامة، وبوضعهم دائماً في حالة انتظارٍ قاتلٍ لِما لا يأتي أبداً، انتظار لإنشاء محطة التسفير وتشغيل المنطقة الاقتصاديّة، وتطوير المصفاة، وإقرار حصريّة المعرض، وإحياء شبكة السكك الحديديّة، وتحويل مطار القليعات إلى مطار مدني، وإنشاء سوقٍ جديدة للخُضر؛ انتظار لإنصافهم ولرفع المظلوميَّة عنهم ولتوحيد كلمتهم في وجه مَنْ يُعرقل مصالح أهل المدينة ويسرق أحلامهم وحاضرهم ومستقبلهم.
يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: «لو تكلمتُ بلغات الناس والملائكة، ولا محبة عندي، فما أنا إلا نحاسٌ يطنُّ أو صَنْجٌ يرنُّ، ولو وهبني الله النبوّة وكنتُ عارفاً كلَّ سرّ وكلّ علم، ولي الإيمان الكامل أنقُل به الجبال، ولا محبةٍ عندي، فما أنا بشيء». وأنتم يا سادة طرابلس، يا مَنْ استقلتم من واجباتكم تجاه المدينة التي طوّبتكُم نوّاباً ووزراء وزعماء، فقولوا ما شئتم، لكن إيّاكم أن تدَّعوا أنكم تحبُّون طرابلس، لأنَّ المحبة لا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق. وأكثر من هذا، اسمحوا لنا بأن نستنتج من تقاعسكم وتخاذلكم أنكم تكرهونها، ولن نطلب لكم المغفرة من ربِّ العالمين، ذلك أنكم تدرون ماذا تفعلون...



هلا رسيد اميون:أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2020
top