2018- 10 - 15   |   بحث في الموقع  
logo عبدالله يشكر كهرباء لبنان على سرعة التجاوب logo الرياشي من بيت الوسط: سنشهد ولادة الحكومة خلال أيام logo عطل تقني كاد يتحول الى فاجعة في مستشفى كسرواني logo بالصور: اعتصام احتجاجي ضد الجديد في عائشة بكار logo بريانكا شوبرا ونيك جوناس يحددان موعد زفافهما logo الدكتور طلال حداد يُطلق جامعة ملوك الحرف logo اشتباكات في مخيم المية ومية logo تكريم رئيس الأركان لمناسبة إحالته على التقاعد
المارونيّة كنيسة وجماعة مشرقيّة راسخة في لبنان والمشرق (جورج عبيد)
2018-02-08 16:42:54



من يعد إلى سيرة القديس مارون الناسك، يكتشف بأنّ البيئة التي نشأ فيها، بيئة فقر ونسك، تشبه إلى حدّ بعيد سيرة القديس أنطونيوس الكبير الملقّب بأبي الرهبان، وهو مؤسس أول حركة رهبانيّة في صحراء مصر، ما لبثت أن أمتدت في مراحل متقدمة إلى شمال سوريا وبعدها لبنان. لم يؤسّس القديس مارون سوى رهبنة عظيمة نسكت ما بين حلب وحمص، لم يؤسس كنيسة مستقلّة ولم يقم أتباعه بالتالي بتأسيس كنيسة خاصة بهم، فهم تابعون للكنيسة الأرثوذكسيّة أي المستقيمة الرأي، وقد كانت في ذلك العصر تتكلّم اليونانية في الساحل والسريانية في الريف والقرى، ومعظم المؤرخين قد أجمعوا بأنّ السريان هم أصل سوريا مثلما الأقباط هم أصل مصر.


 


ميزة هذا القديس العظيم أنّه أطاع المسيح، وعلّم وعمل على أن يبقى المسيح وكما يقول القديس أفرام السريانيّ سيد حياتنا، حيث "يتغاضى عن الجسد لأنه زائل ويعنى بالنفس غير المائتة". وميزته أنّه والقديس سمعان العموديّ وقد كان معاصرًا ومجايلاً له على ما تظهر ذلك الروايات، أسسا لنمط متشدّد في النسك الرهبانيّ وقد تحوّل بعد حين وبحسب لغة المتصوفين إلى عشق إلهي محتدم للغاية، وتصابى مارون ورفقته وكلّ الرهبان والقديسين إلى قلب الله بالمسيح يسوع. العشق الإلهيّ لغة خلاّن الله، فهم يصيرون كالملائكة يطيرون في مساحة النور ويتوشحون به لينهمر بدوره على مواكب الأبرار والصديقين، ومتى رقدوا فهم بالرب راقدون، ويسمون إلى العرش الإلهيّ ليصيروا شفعاء لنا لدى المخلّص الأكرم.


 


يقود الكلام في هذا القديس العظيم للكلام على الموارنة بصورة خاصّة وعلى المسيحيين بصورة عامّة. من حقّ الموارنة أن يعتبروا مارون الناسك شفيعهم كما من حقّ كلّ مسيحي أن يجعله كسائر القديسين شفيعًا له. لا يعني اتخاذ الموارنة للقديس مارون شفيعًا أنّه مؤسس لكنيسة تحيا في مدى جغرافيّ محدّد وقد تمّ إيضاح هذا الأمر غير مرّة. ولكن يعني المسيحيين أن يجعلوا من حياته مثالاً حقيقيًّا للاتحاد بالمسيح كمخلّص لهم. فلا خلاص للمسيحيين إلاّ بالمسيح ولا مسيحيّة بلا مسيح، ولا مسيحيين بلا مسيحيّة تجيء من المسيح ومن كتابه العزيز الذي أمسى وجهه وكيانه. قداسة القديسين طريق للخلاص الكامل، وهذا لا بدّ من إيضاحه. القديسون لا يشفون أمراضنا إلاّ بقوّة المسيح وبفعل الروح القدس، هم مثالنا وشفعاؤنا، والمسيح وحده خلاصنا وشفاؤنا وحياتنا، على قاعدة بولس الرسول في رسالته إلى أهل كولوسّي متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا حينئذ تظهرون معه في المجد. هو وحده المجد.


 


على هذا، ثمّة التباس ظهر في لبنان ويلتمس دومًا مع إقبالنا إلى عيد مار مارون، من خلال تلاوة سيرته وحضوره وتفسير المحتوى من زاوية لبنانيّة ضيّقة، وكأنّ هذا القديس العظيم معطى لبنانيّ منفصل عن الأرومة المشرقيّة، أو كأنه مؤسس للمارونيّة، كقوميّة أو أمّة فيما أسس مارون الناسك رهبنة وجماعة تمرّست على عبادة الله، وامتدّت من حلب إلى حماه وحمص، ولم يؤسس لكنيسة مستقلّة عن الكنيسة الأساس. الطنيسة المارونية في لبنان تأسست مع يوحنا مارون، وهو أوّل بطريرك عليها وفد من أنطاكية السوريّة إلى جبال لبنان بسبب خلافه مع الإمبراطور البيزنطيّ جوستينيان، وأسس أوّل كنيسة في لبنان في كفرحيّ. هذا النسب التاريخيّ، وارتفاع منسوب الاضطهادات والحروب على الموارنة، تماهى الموارنة بلبنان بانفصال عن المحيط، فتحوّلوا إلى نسق قوميّ متشدّد في المدى اللبنانيّ، فالتصقوا اصوقًا قوميًّا بلبنان حتى العظم من دون انفصال. فانعكس اللصوق على الليتورجيا والطقوس بدءًا من لباس الكهنة والأساقفة ليبلغ الانعكاس ذروته في لحظة تنصيب البطريرك بتلك الآية المزموريّة مجد لبنان أعطي له. بهذا السياق عينًا، الموارنة كنيسة لها ليتورجيتها ونظامها وترتيبها، وكيان قوميّ-سياسيّ،انحصر في لبنان وانعزل عن الجذور المشرقيّة. إستند مفكرون كبار إلى الرواسب التاريخيّة Résidus historique وعمدوا ودأبوا على تفعيلها بتحويل المارونيّة من كيان روحيّ إلى هويّة وقوميّة منغلقة على ذاتها ومستقلّة عن الآخرين وقد ترجم السعي هذا خلال حقبة الحرب، بوجه العروبة ومنظمة التحرير الفلسطينيّة، حيث اعتبرها بعض من القادة المسلمين جيش المسلمين. وقمّة الخطورة هنا تجلّت بأنّ المارونيّة حين أمست هوية قوميّة مستقلّة عملت على إذابة لبنان بها ضمن حقبة مليئة بالتحولات الاستراتيجية ومرحلة عاصفة بالتغييرات الجذرية في المنطقة، فتعرّضت الشراكة الوطنيّة بسبب من ذلك لاهتزازات خطيرة، أدّت إلى حروب قاسية بين الحيّ المسيحيّ والحيّ الإسلاميّ، وانعكست بواقعيّة شديدة وفي محطات مستتبعَة على الجسد المسيحيّ المديد ليظهر بدوره مبتليًا بالأوصاب ومصابًا بالأعطاب، ومثخنًا بالجراح، ومتمرمرًا بالصعاب. تلك المعطوبيّة التي جوفته من الرؤى الصالحة أفقدته المناعة القويّة الحامية له من المخاطر الكبرى، ومن فقدان الحضور والوجود. وقد أثبتت الأحداث صوابية ذلك، سيّما أنّ نهاية الأحداث اللبنانيّة باتفاق حصل في مدينة الطائف السعوديّة سلبت المسيحيين صلاحياتهم، ونفتهم إلى واقع لم يألفوه قبلاً، تعنون بالأحباط حينًا وباستيلاد الطوائف الأخرى لهم حينًا آخر.


 


لا ينفي النقد العادل والموضوعيّ والمنطلق من محبّة مسيحيّة صافية، سطوع الموارنة وفضلهم الكبير على النهضة العربيّة، الثقافية منها والأدبية والشعريّة، وصولاً إلى بناء عمارة عربية ومشرقيّة ساهم فيها كثيرون. يكفي أنّ يكون مطران حلب للموارنة  جرمانوس فرحات في القرن الثامن عشر، باني النهضة العربيّة، وواضع مبادئها على عدة مستويات وطبقات، ومؤسّسًا في حلب للمكتبة المارونيّة، الموارنة مؤسسون كبار للنهضة العربيّة، كما هم مؤسسون كبار للعروبة بوجه العثمنة التي سيطرت على المدى المشرقيّ، وبوجه الانتداب الفرنسيّ، فتوسعوا وتعمقوا بها، إلى أن استكملوا حضورهم التأسيسي لها مع البساتنة واليازجيين وأدباء المهجر، وعملوا على ترسيخ فلسفة العروبة بعمق واتساق كبيرين، حتى إنّ مفكرًا كبيرًا من بلدة تنورين هو أسعد داغر، شارك إلى جانب رياض الصلح في تأسيس الجامعة العربية من خلال كتابة ميثاقها وبنودها. من دون أن ننسى دور الأبوين الكبيرين ميشال حايك ويواكيم مبارك في نحت وجهها المشرقيّ-العروبيّ المشرق. وبسبب من ذلك أمسى الموارنة حماة للمسيحيين العربّ، وجعلوا من لبنان مركزًا لتلك الحماية مع وجود رئيس جمهورية مسيحيّ-مارونيّ.


 


في الزمن الراهن، وبعد حقبة طويلة من الإحباط، كان لا بدّ من تصويب المسار، بكسر مبدأيّ العزل والانعزال اللذين قادا نحو الإحباط الوجوديّ والسياسيّ. على المستوى الروحيّ، أحجم البطريرك المارونيّ مار نصرالله بطرس صفير، عن الانفتاح على سوريا، حيث توجد أبرشيات تابعة لكنيسته، ساهم الإحجام بفصل موارنة لبنان عن موارنة سوريا، وقد أدّى ذلك إلى إضعاف مزدوج للمسيحيين هنا وهناك. كان السبب بأنّ سوريا موجودة في لبنان، والممارسات السورية من دون شكّ ساهمت بهذا التباعد، ولكن لماذا البطريركيّة المارونيّة في ذلك الحين، لم تواجه القرار الأميركيّ في الأصل الذي منح لبنان لسوريا في مرحلة من المراحل؟ خرج السوريون من لبنان سنة 2005، فجاءت مبادرتان تكاملتا في بعض نواحيهما، مبادرة العماد ميشال عون الذي قرأ بأنّ تحجيم الموارنة أنفسهم في المدى اللبنانيّ خطأ استراتيجيّ، بل الخطر الأكبر على الموارنة أن يذيبوا الكيان اللبنانيّ بالهالة المارونيّة، والخطر الأكبر أن ينأى الموارنة بأنفسهم عن قضايا المسيحيين المشارقة والعرب. قام العماد بزيارة سوريا، وحجَّ إلى أديرتها وكنائسها ما بين صيدنايا ومعلولا وحمص، ليبلغ إلى ضريح القديس مارون في براد حلب حيث كرّس تقليدًا جديدًا يقوم على إقامة عيد القديس مارون في براد-حلب. بهذه الحركة كسر ميشال عون، منطق العزل والانعزال، وأعاد الموارنة إلى جذورهم المشرقيّة، فجعل لبنانيّتهم جزءًا من الهالة المشرقية، التي تصل مسيحيي لبنان بمسيحيي سوريا والعراق والأردن وفلسطين، وأبطل مفعول إقصاء الموارنة لأنفسهم عن هذا المدى الرحب، ثم قاد من بعد كسر العزل والانعزال معركة الشراكة الميثاقيّة في لبنان لتكون الأنموذج الراقي للمشاركة الفعلية المرجوّة في دول المشرق العربيّ. لقد أظهر ميشال عون بالتحديد أن الموارنة لا يمكن أن يحيوا إلاّ بالشراكة الميثاقية مع الآخرين، وبإحساسهم بأنهم لبنانيون في هويتهم ومشرقيون في عمقهم، وهذا ما ينقذهم من عاتيات الزمان ويحميهم من التبدلات الخطيرة في المنطقة. وما انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية إلاّ التجسيد الفعليّ لتلك الفلسفة، حيث سمي بحق، رئيس جمهورية لبنان ومسيحيي المشرق.


 


ومبادرة البطريرك بشارة الراعي، بزيارتين قام بهما لسوريا، واحدة لدمشق حين تم تنصيب يوحنّا العاشر يازجي بطريركًا على أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، والأخرى إلى طرطوس واللاذقية حيث زار رعيته هناك. وللمرة الأولى شعر موارنة سوريا، بأنّ لهم بطريركًا يفتقدهم ويقيم معهم وهذا كان غائبًا لسنوات طويلة. البطريرك الراعي أعاد الكنيسة إلى موقعها الصحيح، فتبدّل الخطاب ليلامس بدوره الواقع السوريّ لا سيّما في الحرب في سوريا وعليها.


 


وعلى هذا لم تعد المارونيّة هويّة منغلقة على طريقة أنكم خير أمة أخرجت للناس، بل هوية تستمد حضورها ووجودها من الينابيع المشرقيّة الصافية المتدفقة من لحد القديس مارون في براد حيث يرقد ويشعّ بالبركات، ومن ضياء المسيح الكونيّ الحافظ لها مع كلّ المسيحيين. المارونية ليست هويّة قوميّة بل كنيسة حيّة متحرّكة، والموارنة جماعة تلتمس وجودها من المسيح، وهويتها من هذه الأرض، وهم كما المسيحيون في هذه البلاد يجيئون من المسيح، وهو سيد الحياة وفي الوقت عينه مشرق المشارق.


ألا نفعنا القديس مارون بصلواته وشفاعته وأعطانا أن نسلك بقداسته إلى وجه المسيح المخلّص.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2018
top