2018- 12 - 09   |   بحث في الموقع  
logo الجيش: الوحدات المنتشرة جاهزة لاي طارئ logo دراجات نارية عند الحدود تربك اسرائيل logo ابو جميل الى جانب نصرالله logo زغيب يتراجع بعد قراره الغير حكيم logo ألان عون: لا نريد اعتذار الحريري بل هذا ما نريده logo فرنسا تطالب ترمب بعدم التدخل في شأنها الداخلي logo باسيل للجالية اللبنانية في المغرب: انتم ثروة كبيرة logo الجبير: ندعم الحريري ونرفض دور ايران التخريبي
السجود للصليب اقتران بالقيامة الآتية (جورج عبيد)
2018-03-12 17:58:37



سجد الأرثوذكسيون، يوم الأحد الثالث من الصيام، للصليب الكريم المحيي من بعد ما طاف به أساقفتهم وكهنتهم مزدانًا بالورود والرياحين وثلاث شموع. وقد استبق السجود له بأحدين الأول منه تعنون بالأرثوذكسيّة أي أحد انتصار الأيقونات المقدسة والثاني عيدوا للقديس العظيم غريغوريوس بالاماس وهو معلم كبير في الكنيسة وفي الهدوئيّة وهو المتكلم عن النور غير المخلوق. يبقى أمامهم أحدان الرابع حيث يقيمون ذكرى للقديس يوحنّا كاتب سلّم الفضائل، وفي الأحد الخامس يتحلّقون حول قديسة عظيمة هي مريم المصريّة، ومريم سيدة في التوبة العظيمة بعدما كانت مدمنة على الشبق الجنسيّ، والعودة إلى سيرتها تقودنا توًّا إلى استقبال المسيح بالتوبة الحقيقيّة في دخوله أورشليم في الأحد السادس وهو أحد الشعانين وتعيننا على فهم الحدث الخلاصيّ والاشتراك به في القلب والعقل واللسان. إنما هذه السنة سيقتحم عيد بشارة السيدة العذراء الأحد الخامس أي ذكرى القديسة مريم المصريّة ليجلب لنا فرح المسيح بالتجسّد وندخل بالفرح عينه أسبوع مجده المتوّج بالصليب والقيامة.


 


ليس من انفصال على الإطلاق بين الفصح المنتظر وأعيادنا في المسيحيّة. إقبال المؤمنين عليها يتمّ من خلال الفصح، من خلال المسيح الغالب والظافر. ذلك أن المسيح لم يسحقه الموت، وإلاّ لكانت المسيحية لم تولد وتوجد. المسيح وحده في تاريخ الأديان بل في كلّ التاريخ البشريّ قد سحق الموت بموته وأعطى من ولد واعتمد وتميرن على اسمه أن يكون على صورته ومثاله، أي غالبًا وظافرًا وغير مائت. ميزة المسيحيين أنهم اصطبغوا على اسم المسيح القائم والمنتصر، ويجيئون، تاليًا، من نصره المبين، ويجسدون النصر بتطلعاتهم وسلوكياتهم وقراءتهم للأحداث والتاريخ، ويفترض أن يرسموا المستقبل بألوان هذا الفجر الفائق البهاء.


 


من سجد للصليب أو وضعه على عنقه أو قبّله بشوق، أو جعله في منزله أو غرفة نومه،  تحرّر من الفاجعة أيّة فاجعة. الصليب أبطل الفاجعة من بعدما رفع عليه المعلّم الإلهيّ واقتبل الموت وعلّم الناس أن ليس من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه فداء عن من يحبّ. مع ارتفاع المسيح عليه إنتهى عصر صراع الآلهة وتمزّقها. صار الصليب بالمسيح يسوع حوضًا لأنوار تشرق منه على البشريّة، إنّه دم المسيح وقد صار الضياء فوق الجلجلة قبل أن ينفجر بصورة كاملة في القبر. مع الصليب لم تعد الإنسانيّة متصحّرة الفكر، إذ به صارت الصحراء جنائن فردوسية تنكسب عليها جداول الأزل، وأضحت الإنسانية رقيقة شفيفة مندمجة بدائرته الكونيّة، ومنطلقة منه في نهار جديد لتؤكّد انتصارها مع المسيح القائم والمنبعث من الموت.


 


إقبالنا إلى الصليب وسجودنا أمامه في الأحد الثالث من الصوم، يجيء من قوّة القيامة. ربيع الصوم بذاته ينطلق من القيامة ويتجه نحوها. القيامة هي المدى كلّه. الصلوات الممارَسة فيه سواءً كانت النوم الكبرى أو خدمة القداس السابق تقديسه أو خدمة المديح وصولاً إلى قداس الأحد، تحتوي بصورة أو بأخرى طاقة الفصح. لا يعني ذلك أنّ ما نمارسه هو ذكرى. الأرثوذكسيون يؤوّنون الحدث الحاصل في التاريخ أي يجعلونه قائمًا في الزمن الحاضر وكأنه "الآن" يتمّ، ففي القداس السابق تقديسه يعلنون: "الآن قوات السماوات تشاركنا في العبادة بحال غير منظورة، لأن هوذا ملك المجد يمرّ عابرًا، ها هي الذبيحة السريّة المكمّلة تزفّ فلنتقدّم بإيمان وشوق لنصير شركاء الحياة الأبديّة"، وفي صلاة الختن خلال الأسبوع العظيم يعلنون "ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل"، أي أنّ العريس يقبل الآن أو في نصف الليل إلى حبيبه، ليبذل نفسه عنه بصورة شخصيّة فيكتشف المؤمن أنّ السيد إله شخصيّ يخصّه بمقدار ما يخصّ الجماعة المؤمنة، والعلاقة الشخصيّة كثيفة معه كمثل كثافة علاقة الكنيسة العضويّة والجوهريّة به. وفي الخميس العظيم المقدّس ينتصب الصليب مجدّدًا في وسط الكنيسة خلال خدمة الآلام لنعلن قائلين: "اليوم علّق على خشبة الذي علّق الأرض على المياة"، أي أنّ المسيح يعلّق الآن ولا نتكلم على الحدث بصفة الماضي واضعينه في جوف التاريخ، بل في اللحظة الآنية لنعتبر بأنّ القيامة تصير الآن وفي كل آن، والجوهر المسيحيّ مستمرّ في التاريخ، والمسيح المعلّق على الخشبة والقائم من بين الأموات يتحرّك في التاريخ وفي الإنسانية، كما يحركهما وليس من انفصال بين المسيح والتاريخ والعالم.


 


هذا المعطى الظاهر في هذه المرحلة العظيمة والبهيّة، لا يذاق طيبًا إلاّ لأننا نجيء من القيامة ونحققها حتى في زمن الصوم ولا نخفيها البتّة، لأننا مدركون بأنه بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم، ومعانقة المؤمن للصليب هي معانقة فصحية لنصر تحقّق ومحقّق. ولهذا وضعنا الصليب في وسط صينيّة مزدانة بالورود والزهور والرياحين، تحيط به شمعات ثلاث، لأنّ المسيح المعلّق عليه نور العالم، والرياحين والورود كلامنا الواضح في الحبّ والنصر، ولأن الشموع الثلاث تظهر الخليقة الجديدة المنبعث من الثالوث القدوس، ولغة الثالوث تكرست بالصليب لأنها لغة المحبة والله محبة.


 


يهمني في تلك المناسبة القول بأنّ المعطى المذكور غير محصور بليتورجياتنا بل هو قائم في حياتنا الفرديّة والجماعيّة، في البيت والمؤسسة، وهو ممدود إلى كل زمان تتحرّك البشرية فيه وتحيا في بركاته. قضيتنا في هذا الزمن أننا لم نعد تنتفاعل مع هذا المعطى وكأنه يحركنا أو نتحرّك به، المسيحية الأولى انتصرت به، الرسل والقديسون جعلوا العالم إنجيلا بواسطته، لم تنغرس المسيحية برسالتها وكمال حضورها إلا بالصليب الذي بموت المسيح عليه جعلنا غالبين الموت. لم تقف الاضطهادت يوجه أتباع الناصريّ ولم تحل دون إتمام الرسالة تجسيدها، كان هؤلاء يرمون طعامًا للوحوش في ملاعب روما ولم يجزعوا البتّة. ما يريده المسيح من الإنسان الراهن، أن يتعاطى مع مسيحيّته بالتزامه الكامل بها من البيت إلى العمل ومن الفكر إلى السياسة. ذلك أن ليس من فصل ولا انفصال ما بين المسيحية والتاريخ وما بين المسيح نفسه والتاريخ. فمن مسح بالنعمة والحقّ بات مسيحًا بدوره، ومن شهد للمسيح حيث هو وفي أيّ وضع كان، قدر على التغيير. إثنا عشر رسولاً غيّروا مجرى التاريخ وجعلوه مولودًا من المخلّص. هل نقدر على تجسيد تلك الحقيقة؟


 


المسعى الأوّل والأساس، أن لا نتزعزع مهما عتى الدهر علينا، أن نحمل المسيح المصلوب في قلوبنا عالمين أنه مجدنا وحياتنا، والمسعى الثاني، أن تدرك الكنيسة بدورها أنها كنيسة المسيح وليست شيئًا آخر. فمتى انتزعت الكنيسة من الرسالة أمست حجارة، وبات هيكلها هدفًا للذئاب تداهمه بثياب حملان. خطورة الوضع المسيحيّ لا يكمن في الواقع السياسيّ بل في تقصير الكنيسة المسيحية عن رعاية المؤمنين بالمحية المجانية وقمتها تجلت مع الناصريّ على الخشبة. ومشكلة المؤمنين أنّهم غدوا مسيحيين في الهوية بلا مسيح لأنهم انفصلوا عنه. ليس المهم أن تقول بأنّك تعمل أعمالاً صالحة بل الأهم أن تقتبس الصلاح كلّه من جسد المسيح المديد أمامك ومن الكلمة التي هي بدورها جسده ودمه. الأهم أن تسمح لدم المسيح السكيب أن يسري في عروقك لتغدو في بهاء الجدة الكاملة، حتّى إذا طواك الردى لا تدفن تحت التراب لأنك تكون قد بلغت نحو وجهه وعاينته كاملاً. للكنيسة مسؤولية بتثمير ذلك، ليس بالوعظ المتناقض مع الفعل/ بل بالفعل الذي يكشف للمؤمن بأنّ المؤسسة لا تزال وليدة الكتاب العزيز.


 


مع بلوغنا منتصف الصوم المبارك، ومع سجودنا للصليب نلتمس من السيد القدوس أن يؤهلنا للمضيّ إلى نهاية الصيام بنور المسيح المنسكب علينا، ونصل إلى أسبوع المحبة الكاملة المتجلية بآلام المسيح الخلاصيّة، معانقينه بآلامه بحب وكبر تواضع وتوبة، ومدركين أننا عشراؤه حتى آخر لحظة من العمر. فلنعانقه كما عانقنا، ولنقل له على لسان القديس أفرام السريانيّ: "أيها الرب وسيد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول وحبّ الرئاسة والكلام البطّال، وأنعِم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة والصبر والمحبّة، نعم يا ملكي وإلهي هب أن أعرف عيوبي وذنوبي وآلاّ أدين إخوتي فإنك المبارك إلى الأبد، آمين".


أهلنا يا رب لهذه اللحظة البهية لنستحقّ الفصح السيديّ العظيم، آمين. 



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2018
top