2018- 12 - 09   |   بحث في الموقع  
logo طائرات اسرائيلية خرقت الأجواء الوطنية مرات عدة logo اعنف هجوم من تيار المستقبل على حزب الله منذ التسوية الرئاسية logo توقعات برج القوس 2019 logo الجيش: الوحدات المنتشرة جاهزة لاي طارئ logo دراجات نارية عند الحدود تربك اسرائيل logo ابو جميل الى جانب نصرالله logo زغيب يتراجع بعد قراره الغير حكيم logo ألان عون: لا نريد اعتذار الحريري بل هذا ما نريده
القبر فارغ... المسيح قام (بقلم جورج عبيد)
2018-04-07 22:59:31



بقلم جورج عبيد-


  كثيرون من بيننا يبحثون عن المسيح المصلوب، يرنون إلى رؤية وجهه المكلل بالشوك. منا من يعود إلى القدس الذبيحة، ومنا من يغوص بحثًا في هذا المدى المكلوم. لقد أخذ يوسف الراميّ ونيقوديموس جسده ودفناه في قبر حفر في صخرة وأغلق بالحجر. الإنسانية كانت هناك، احتشدت أجيال منها على جنبات الطريق إلى أورشليم، شاهدوه مارًّا بحراسة الجند حاملاً صليبه، إلى أن علّق على الخشبة، فخرجت التأوهات والزفرات وارتج الكون لحظة إسلام السيد روحه. الإنسانية بدورها كانت مع يوسف ونيقوديموس، بل كانت فيهما، تكتشف أن من صلب هو ابن الله. في لحظة الارتجاج، كان المسيح يحقّق نصره بالكليّة يعلن قيامته مع أجساد قديسين راقدين خرجوا من القبور وظهروا لكثيرين في المدينة إلى أن دحرج الحجر عن باب القبر وخرج منه ظافرًا وأمر تلاميذه أن يوافوه إلى الجليل. 


أين هو المسيح المصلوب؟ هذا سؤال طرحته النسوة الآتيات ليطيّبن جسده بالطيوب. واحدة منهنّ عرفته حين قال لها "ميريم"، فأجابته ربوني أي يا معلّم، منعها من لمسه لأنّه لم يصعد بعد إلى أبيه، لم يعد يسوع بفعل قيامته جسدًا مثلنا، بل صار كتلة من نور، بات وجه أبيه بكمال الضياء ومداد البهاء. من شاهد المسيح ذبيحًا آن له أن يراه ناهضًا، وآن له أن يدرك بأنّ الصليب الذي سمّر عليه، تحول من خشبة العار إلى خشبة الانتصار، وإكليل شوك غدا إكليلاً من غار. لقد كان بالحقيقة ابن الله كما شهد قائد المئة، وبالقيامة أثبت بنوّته له وانساب بالضياء إلى جوف إنسانيّة انتظرت طويلاً مخلصها فكان هو، إنّه كلمتها الحيّ، يحركها فتتحرّك به، تماهى بها ولا يزال دائم التماهي، يبيت في تنوعها والثقافات فيها. لم يشأ يسوع الانفصال عنها، حتّى حينما صعد إلى أبيه ترك نفسه فيها في الخبز والخمر، وفي الإنجيل. الذين عرفوه بالمعموديّة شهدوا ويشهدون له، وثمّة من عرفه في مبرّات العشق الإلهي المحتدم وهو دائم الشهادة لمحبته. المسيح من بعد قيامته لا يزال دائم الحركة والكلام. لم يتوقّف البتّة عن أيّ خطاب أو فعل بارّ، نصره أباح له أن يوزّع نفسه خبزًا وخمرًا ونورًا، وأباح له أيضًا أن يظلّ الكلمة المحتدم بل المحتدمة به كلّ ثقافة طهور وفكر غيور وثورة ترنو نحو كلّ إصلاح خيّر.



أين المسيح المصلوب وأين الإنسانية من موته وقيامته؟ ولماذا هو حمل الله الذبيح قبل كون العالم، وهل أدركت الإنسانية خلاصها به؟ المسيح المصلوب هو المسيح القائم من بين الأموات، إنّه ملتقى الناس بلغاتهم وتراثاتهم وثقافاتهم، استجمعها كلّها وضمّها إلى نفسه، وسكب الخلاص عليها ووحدّها به. القبر فارغ منه من بعدما قام منه، لم يعد الموت سيّدًا عبثيًّا على حياتنا، بل أعطانا أن نسود عليه، ومتى تمّ الرقاد فنحن نرقد به لأننا نرقد على رجاء القيامة قيامته. لم يقم المسيح لنفسه ولأجل نفسه، وإلا لكان استجاب للصّين اللذين عيّراه ونزل عن الصليب وإنتهت الرواية عند هذا الحدّ. لقد كان قتله سياسيًّا بامتياز وخوفًا من سيادته على ملّة اليهود، إلاّ أنّ السيد المبارك، جاء ليقول للإنسانية بموته وقيامته، "أنا هو القيامة والحياة"، ما قاله لمرتا أخت ألعازر قبل إقامته له، يؤكّد أنّه متجه لكي ينهي الموت بالقيامة على الرغم من دناءة المؤامرة التي انتهت إلى محاكمته وجلده وصلبه. المسيح ذبح مرّة وبذبحه ذبح اللعنة وأقامنا من الموت العدميّ والعبثيّ إلى ذاته هو، صرنا به من بعد أمسى ضياء للعالمين. بمعنى أننا لم نعد مخلوقين ومجعولين للموت، متى انتهت البشريّة في الموت انتهى التاريخ كلّه وينتهي الله مع نهاية الإنسانية. سر استمرار الله في تاريخ البشر تلك القيامة، والتي فيها المسيح وطئ الموت، لقد رفعنا المسيح بقيامته إلى مفهوم الحياة الجديدة المعطاة لنا بأزليته الساطعة.


من تبعه أدرك تلك الحقيقة ليس لأنه وريثها ومستمر بها، بل لأنه يعيشها بل يعيش ببركاتها. وحدهم اليهود حاولوا أن يخفوا حدث القيامة، ذلك أنها ثورة الألوهة في التاريخ، وهذه الثورة عينًا تبطل مفهوم أنّ اليهود وحدهم أمة الله وورثة الموعد. دارسوا العهد القديم لمسوا بدراساتهم وتأملاتهم، بأن النصوص لم تنحصر بوعد الله بأن يكون لليهود أرض خاصة بهم، لقد تمّ تشريح النصوص ومن ثمّ شرحها وفقًا للمنهجين التأريخيّ-السياسيّ، والتأريخيّ-اللاهوتيّ، ليتبيّن بأنّ نصوص العهد القديم حاوية للمسيح ومستندة بمعظمها إلى حدث مجيئه واقتحامه التاريخ البشريّ. وبصورة أفصح المسيح تكلم على نفسه في نصوص هذا العهد، تكلّم على تجسّده وآلامه وموته وقيامته، بمعنى أن المسيح هو الوعد والعهد، وعد الأمم كلّ الأمم، ومتمّم لعهد الخلاص. المسيح جنين الكون كلّه، وليد الإنسانيّة بأسرها، وقيامته جعلته سيدًا عليها وراسخًا فيها سواء رذلته أو حضنته.



في القيامة تحوّل الدم إلى نور، من أكل جسده وشرب دمه صار فيه النور الكامل. لم يعد وجهه مدمّى بل صار وجه الله. اشتهى موسى أن يرى الله فوق طور سيناء، قال له أمّا وجهي فلا تراه لأنه لا أحد يرى وجهي ويحيا. وجه الله هو مسيحه، ولذلك اخترق الحجب ودخل إلى حيث التلاميذ كانوا مجتمعين وقال لهم السلام لكم. لم يستطع أحد لمسه سوى توما القائل إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وجنبه لا اؤمن، لقد أراه المسيح نفسه متألمًا من جديد، ليدرك بأن الآلام آلت إلى نصر، ومن يراه هو المسيح المنتصر والظافر. ما نعيشه الآن مختلف بالكليّة عن الحدث مع علمنا بأنّنا نتحرّك بقوة القيامة. ما من مسيحيّ اكتسب تلك الصفة لو لم يقم الله بمسيحه. نحن المسيحيين اكتسبنا تلك الصفة بالمسيح المتجسّد والمائت والقائم. عند بولس الرسول إيماننا مرتكز على أنّ المسيح مات ثمّ قام، ودستور الإيمان المنصوص سنة 325م بنيّ على حقيقة التحسد والموت والقيامة. المسيحية بعمقها التاريخيّ والجمعيّ والوجوديّ شعّت من موت المسيح وقيامته، الكنيسة استندت على هذه الحقيقة الراسخة، "لو لم يقم المسيح لكان إيماننا باطل". المسيحيون الأول ذاقوا بهاء القيامة، أوعبوا نفوسهم منها وسكروا من مجدها، وحركتهم ليصيروا قربانًا حيًّا على ملاعب روما وساحاتها، لقد رأى أحد نبلاء روما على حدّ ما روى المطران الحبيب جورج خضر كيف أن قومًا آتين من فلسطين وسوريا ولبنان إلى الموت وهم ينشدون، سأل معاونه من هم هؤلاء، أجابه إنهم مسيحيون يقولون بأن يسوع المسيح هو إلههم فاستغرب النبيل، كيف أن هؤلاء آتون إلى الموت وهم ينشدون، فأيقن للتوّ بأنّ إله هؤلاء ليس كآلهته أو آلهة روما، فقال لحاجبه إنّ إله هؤلاء حيّ وأنا ذاهب لأستشهد معهم وذهب بالفعل واستشهد معهم.



قوم المسيح المعلّم تحرّكوا بقوّة قيامته من بين الأموات، تحدّوا العالم بها، أسقطوا بالصليب تلك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لم يأبهوا لبرد وجوع وعطش وخوف، لم تفصلهم تلك العوامل عن محبة المسيح. المسيحيون الحديثون يعيشون أزمة وجوديّة حقيقيّة بسبب انفصالها عن تراثها وديمومته في بنيتها. ملاك بيروت الحبيب الياس عودة طرح سؤالاً وجيهًا، هل المسيحيون يشهدون اليوم للمسيح في عدد من البلدان؟ السؤال المطروح ليس عن موجوديتهم في تلك البلدان بل في لبنان بالتحديد، حيث يمعن المسيحيون على بيع ممتلكاتهم، ومعظهم تحولوا إلى كائنات بيولوجية همها ماذا تأكل وتشرب؟! لا تثبت المسيحية بالمناصب والمكاسب، بل تثبت بأن يبقى المسيحيون أمناء على مسيحهم المنتصر والغالب الموت، الغربة عن المسيح موت أحمر.



القبر فارغ والمسيح قام. لم يقم المسيح لذاته، قام بسلطانه لنقوم بدورنا معه ولتبقى المسيحية رساخة بمحبته. أيها المسيحيون أثبتوا بمحبة المسيح، أحبوا بعضكم بعضَا، توحّدوا من أجله هو ومن أجل الحقّ المعطى لكم. ذوقوا كتابه كلوه حتى لا تجوعوا، التمسوه في الكأس الريان ولا تبحثوا عن شيء آخر، انفضوا عفن التاريخ وتطلعوا فجر اليوم الثالث، إخلعوا لباس الموت والبسوا الحياة الجديدة بالقيامة، أنفضوا عبثية الظلم كل ظلم وواجهوا بقوة المسيح القائم، فالقيامة تسري فيكم، تضجّ بأجسادكم تبطل ترابيتكم وتحولكم إلى قامات من نور، هذا النور يحملكم إلى ان تظلوا منارات في هذا المشرق، لا يغرنّكم العالم الباطل، ولا تبطروا بالحياة الاستهلاكية، فمن شأنها أن تقتل المسيح من جديد فيكم وتصلبه، والمسيح قام حتى لا تتألموا ولا تموتوا. لا تخشوا اضطهادًا أنتم أقوياء بالحق، والمسيح هو الحقّ، فلا تحولوا القيامة إلى مأساة بانسلاخكم عن دياركم، هذه الديار المشرقية باتت جسده الممجّد بالموت لأنه مشرق المشارق، هذه القيامة ثابتة وراسخة لكونكم قياميين ونورانيين بالقائم من بين الأموات. لقد بذل حياته من أجلنا وسفك دمه حياة لنا، حتى نبقى ونستمرّ. فمتى ثبتم بالمسيح القائم تتوحدون به وتحيون في بهائه. إذهبوا إلى القبر قبره في الفجر فجره هو وانحتوا وجوهكم به. القبر فارغ الفجر يسكنه، بهذا الفجر تتأكدون أنه قد قام والحجر مدحرج، ومتى تأكدتم من الملاك اللامع رنموا من أعماق قلوبكم المسيح قام حقًّا قام ونحن شهود على نصره إلى الأبد.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2018
top