2018- 05 - 24   |   بحث في الموقع  
logo التكتل الوطني: ما حصل في مجلس النواب يكرّس الديمقراطية والتعددية logo ابراهيم: مكافحة الإرهاب بوجه الاسرائيلي تظلّ أولوية logo عازِفٌ على نَهَوندِ الحنكة.. logo الجيش: ولّى الزمن الذي كان فيه الجنوب ساحة مفتوحة للعدوان logo فريدمان يحذر الفلسطينيين من رفض خطة ترامب للسلام logo رئيس الوزراء المصري يكشف عن أكبر تهديد لأمن الدولة logo الإمارات تعلق على أنباء اختطاف إحدى طائراتها في إيران logo الرئيس اليمني يقيل المخلافي من الخارجية ويعين اليماني مكانه
تهويد القدس تمزيق لله، ونهاية مأساوية لفلسطين والمشرق العربيّ كلّه
2018-05-14 20:59:32



بقلم جورج عبيد -


مع مطلع الحرب في سوريا وعليها، وتحديدًا خلال سنة 2013، كشف النقاب على اتفاق سريّ حصل بين الأمير بندر بن سلطان الذي شغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات التركيّة ورئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، أعلن فيه على تخلّي الجانب السعوديّ عن المسجد الأقصى، وهو ثاني الحرمين الشريفين، مقابل الإبقاء على حرم مكّة في السعوديّة كمكان مقدّس للمسلمين ويساهم في الوقت عينه بالسياحة الدينية في المملكة وينمّي تاليًا خزينتها. جاء هذا الاتفاق وبحسب ما روى المراقبون في تلك الحقبة، من ضمن شراكة فعلية رسخت بين الإسرائيليين والسعوديين والأميركيين هدفت إلى ضرب استقرار المشرق العربيّ وتمزيقه وفقًا لخطة استراتيجيّة قديمة بنيت بإحكام شديد، وضرب الاستقرار ينطلق من ضمن المثلّث السوريّ-العراقيّ-اللبنانيّ، والهدف من كلّ ذلك، إنهاء القضيّة الفلسطينية بتقليص مساحتها أكثر فأكثر، وتهويد القدس، وتطويق المملكة الهاشميّة في الأردن بجعل أرضها مدى لترحيل الفلسطينيين إليها. وخلال سنة 2015 كتب غاي بيتشر في صحيفة إيديعوت أحرونوت لقد انتهى عصر النفط العربيّ وبدأ عهد العقل الإسرائيليّ، وهو العقل التائق بل العامد للتمدّد في المدى العربيّ، بهدف النيل من اقتصاده ونفطه من المشرق العربيّ إلى خليجه.



منذ عشر سنوات، جرى لقاء بين كاتب هذه السطور والمؤرخ الراحل الدكتور كمال الصليبي في رحاب الجامعة الأميركية في رأس بيروت على هامش مؤتمر كبير، وقد درّس فيها، قبل أن ينطلق إلى عمّان ليعمل مستشارًا للملك حسين. طرح عليه كاتب المقال سؤالاً عن سبب تأليفه كتابه الشهير، "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، وقد أخذ حيّزًا كبيرًا من الجدال اتهمه فيها بعض المفكرين مسيحيين ومسلمين أنّه يبطل محورية فلسطين من نشوء اليهودية والمسيحيّة وتقبلها فيما بعد للإسلام. جاء جواب الصليبي واضحًا، بأنّه لا يبطل في مؤلّفه دور فلسطين المحوريّ والتاريخيّ في نشوء اليهوديّة ولا المسيحيّة، غير انّ ثمّة دلائل علمية استند عليها وارتبطت بعلم الآثار والتاريخ، أشارت إلى أسماء يهوديّة، حتى إنّ القبائل الموجودة هناك في الأصل كانت يهوديّة وبعضها كان صابئة ونصرانيًا (مونوفيزيت أو أريوسي)، وبعض القبائل قد تحوّل مع الزمن إلى قبائل قابضة وحاكمة دخلت الإسلام في مراحل لاحقة وهي من جذور يهوديّة، بعكس السلالة الهاشميّة وهي جذرًا تنتمي إلى السلالة النبويّة الشريفة، ومنها شريف مكّة الحسين مؤسس مملكة الحجاز الهاشميّة، وابنه فيصل بطل معركة ميسلون قرب دمشق وقد ولي بعد ذلك على العراق، فيما شقيقه عبدالله تولّى الأردن. تمّ هذا الحديث قبل الأحداث الأخيرة في سوريا بوقت يسير.



وعلى الرغم من اعتراض بعض الباحثين على كتاب الصليبي، فإنّ جانبًا اساسيًّا منه يضع النخب والسياسيين أمام واقع لا يمكن الحياد عنه في مسرى الأحداث الحالية المتصلة بالأحداث الجوهريّة، ويتمثّل بالتداخل السعوديّ في الحرب على سوريّا وطبيعته بل طبيعة جوهره، وما هو الهدف من صفقة القرن الموقعة ما بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، ومن بنودها، نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والقبول بتهويدها؟ وصفقة القرن غير منفصلة عن الحرب في سوريا وعليها، أو على الدور السعوديّ في المثلّث العراقيّ-السوريّ-اللبنانيّ، وهو قلب المشرق العربيّ إلى جانب الأردن وفلسطين.



لقد أدّت الحروب المذهبيّة في المثلّث المشرقيّ المذكور، إلى تناثر البنى السياسية والمجتمعيّة واستهداف كل خطاب قوميّ مشرقيًّا كان أو عروبيًّا، حتى تخلو القضيّة الفلسطينية من الاحتضان أو تموت فلسطين من الذاكرة الممدودة من التاريخ إلى الواقع المعيش. لقد ذكّر وزير الخارجية اللبنانيّة جبران باسيل في خطابه الشهير في القاهرة بالهدف الاستراتيجيّ المؤسّس على الحروب والانقسامات، المتقمّصة حينًا باللباس المذهبيّ وحينًا آخر بالصراع على الهويات ما بين العرب والفرس، وأثبتت التراكمات منذ احداث سنة 1969 وكما قالت غولدا مائير بأنّ العرب أمّة فاشلة. وحقّ لكثيرين بالقول بأنّ العرب أمّة تتعمّد الفشل بسبب استلذاذ بعضهم العمالة وثقافة الصفقات على حساب الدماء والبشر وعلى حساب الوجود الجذوريّ بالتحديد للشعب الفلسطيني وحقّه في الوجود، ويتمّ بفعل ذلك تقويض المملكة الهاشميّة بعد تطويقها في عمّان استنادًا إلى صراع تاريخيّ نشأ بين آل سعود والهاشميين منذ أن أعلن الشريف الحسين بعيد زيارته إلى عمّان سنة 1922 نفسه خليفة وعاد إلى مكّة ملقبًا نفسه أمير المؤمنين، ومنذ ذلك الوقت نشأ الصراع بين آل هاشم وآل سعود. إنّ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وفعل التهويد الآحادي الذي يحويه معنى النقل يستهدف المسيحيّة والإسلام ويستهدف العرش الهاشميّ كحالة إسلامية أصيلة تنتمي إلى السلالة النبويّة.



بهذا المعنى ليست الأحداث في سوريا، وما يختصّ بالاستهداف الأميركيّ والإسرائيلي لها، مقصاة عن الرؤية العميقة بأهدافها المتجمعة في نهاية المطاف بهدف واحد، ضرب المسيحية والإسلام، وإنهاء أي خطاب قوميّ يثبّت الحضور التاريخيّ لفلسطين كمدى طبيعيّ للحضور الإلهيّ المتنوّع باليهودية والمسيحيّة والإسلام، وللمشرق بجغرافيته الطبيعيّة كامتداد طبيعي لفلسطين بغية سيطرة الغرب الأميركيّ وجناحه الإسرائيليّ، على الحضارة والنفط والتحكّم به من النيل إلى الفرات، ومن القدس وغزّة إلى أنطاكية.



من الخطأ عدم ربط التاريخ بالحاضر والمستقبل، ثمة عناصر فيه لا يمكن إغفالها باتأثيرات والمؤثّرات الجوهريّة الكائنة في جوفه والمختبطة في بنيته. ليس التوغّل السعوديّ في صفقة القرن مقصيًّا عن تاريخ آل سعود الفعليّ وتاريخ علاقتهم المتوتّر والصداميّ بآل هاشم على وجه التحديد وطموحهم بضرب الاستقرار في الأردن على الرغم من العلاقات الطبيعية القائمة بين الأردن وإسرائيل، ليصار بعد ذلك إلى ضمّ أجزاء كبيرة منه والواقعة على البحر الأحمر إلى السعوديّة هذا إذا بقيت السعوديّة على حالها. صفقة القرن المهوّدة للقدس تحيا وتتحرك في هذا التوق المعبّر عن ثأر تاريخيّ واضح، على الرغم من فشل الدور السعوديّ في كلّ من سوريا والعراق واليمن. التموضع السعوديّ في لبنان وبالتحديد من خلال بعض القوى هادف إلى استخدام الأرض اللبنانية كجزء من هذا الهدف، وقد حاولوا عن طريق الانتخابات النيابيّة من خلال بعض القوى، فيما حزب الله والتيار الوطنيّ الحرّ يجيئان من الرؤى الوحدوية الميثاقيّة غير المحصورة في لبنان بل المنتظر ثباتها في الحلّ السوريّ ومن خلال نتائج الانتخابات العراقية حيث العراق لا يزال مدى لصراع سعوديّ-إيرانيّ.



إنّ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، يفرض إيجاد حالة جديدة مسيحية-إسلامية مقاوِمة ليس لعملية النقل بل للهدف المتجلّي خلفه. لقد بات واضحًا بأن الاشتراك الأميركيّ-السعوديّ-الإسرائيليّ في زرع القوى التكفيرية وتثميرها هو المقدّمة الخطيرة المتعاظمة بالحرب المذهبيّة بين الشيعة والسنّة، إزالة فلسطين. لقد توقّع منذ أزمنة غابرة نائب سوريّ وعروبيّ سابق وهو المحامي الراحل نوفل الياس أن يسقط العرب في هذا الصراع بغية إلهائهم بالدم النازف في قلب التاريخ بين المسلمين والمنهمر في الحاضر، فيتشتتون ويتمزقون ويسهل على إسرائيل إنهاء فلسطين وطرد ما تبقى منهم إلى المملكة الهاشمية وتوطين من لجأ إلى سوريا ولبنان. لقد سقط العرب بالفعل في هذا الصراع منذ دخول الأميركيين أرض العراق سنة 2003 وحين اكتشف الرئيس الشهيد رفيق الحريري تلك المثالب الخطيرة والمآرب الخبيثة، وقرّر الاتفاق في لبنان مع من يمثّل الوجدان الشيعيّ بأكثريته المطلقة وهو حزب الله، والخلوص إلى وثيقة تفاهم فعليّة تمّ قتله بغضّ النظر عن طبيعة علاقته بسوريا.



نحن أمام مواجهة وجوديّة حقيقيّة وتاريخيّة تتطلب تكثيف التواصل اللبنانيّ مع سوريا والعراق، وتكثيفه مع المملكة العربيّة الأردنيّة الهاشميّة. ولبنان بقيادة رئيسه العماد ميشال عون بات يملك القدرة على لعب دور الوسيط الفعليّ ما بين سوريا والعراق والأردن، لأنّ استهداف القدس ينهي فلسطين والأردن ويساهم بتوطين الفلسطينيين هنا وثمّة، ويتطلّب بدوره التواصل مع الخارج الأوروبيّ المعارض من جهة للسياسة الأميركية تجاه إيران، واستغلال تلك النقاط لحشد العالم وجذبه إلى فلسطين والقدس والعمل على تأليف جيهة معارضة عربية ودولية في مواجهة تهويد القدس قبلة المسيحيين والمسلمين واليهود. لبنان الرسميّ والنخبويّ بكلّ فئاته وشرائحه وملله، مدعوّ إلى استباط تلك الرؤى بصفاء كامل وحزم شديد، لمواجهة الجنون الأميركيّ المتماهي مع الرؤى الإسرائيليّة والمستثمر للبترو-دولار وتكثيف العمل من أجل محاصرة القرار ومواجهته، فمتى تهودت القدس سقطت فلسطين وسقطنا معها وسقط المشرق وتمزّق الله، بل مات الله في المشرق والتاريخ العالم كلّه.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2018
top