2019- 03 - 22   |   بحث في الموقع  
logo الدولة تتبع سياسة التقشف... هل "الخزينة فاضية"؟ logo مسؤول أميركي: بوتين لا يخطط حاليا لمهاجمة دول الناتو logo عبد المهدي: العدالة يجب ان تاخذ مجراها في محاسبة المقصرين بفاجعة العبارة logo يونكر: الاتحاد الأوروبي مستعد لاحتمال خروج بريطانيا بدون اتفاق logo البيت الأبيض يرفض طلب الكشف عن تفاصيل مباحثات ترامب مع بوتين logo العربية: سماع دوي انفجار قوي في محافظة الحسكة logo التحكم المروري: حادث اصطدام على طريق عام الكحالة ضهر الوحش logo «نفضة» في حزب الله
هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (بقلم جورج عبيد)
2019-01-06 02:01:06



جورج عبيد -


سرّ محبوبيّة الله لوليده الإلهيّ تجلى في ما قاله جليًّا لمن كان موجودًا وشاهدًا على معموديّته في نهر الأردن، "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". والسرّ لا يكتنه بل يعاش في العمق والجوهر. كمال الله بطبيعته الأزليّة أنه محبة، وليس من لغة يقولها، هنا وثمّة، سوى المحبة. وهي لغة لم تكن مألوفة في تاريخ الأديان والحضارات وفي كل الأدبيات المنسكبة منها. الله الآب محبّة والإبن محبّة والروح القدس محبّة. سرّ الأزليّة المتجددة أبديتها بالابن ظاهر جليًّا في أنّ الثالوث القدوس محبّة، وهذا أعطي أن نكتشفه في بهائه المطلق لحظة رضي السيد المبارك أن يقتبل الصبغة من السابق يوحنّا المعمدان وينزل تحت الماء ليؤكّد ليوحنا نفسه ولجميع الناس ما قاله السابق "أنّه حمل الله الرافع خطيئة العالم"، وهذا عينه ما سبق لأشعياء أن رآه قديمًا، والحمل كلمة، وهو ذبيح بالمحبة ولأجلها، وخارج ذلك ليس من لاهوت أو كتاب.
عظمة المحبّة أنها كشفت الله الكليّ القدرة ظاهرًا بالحبيب يسوع. ظهور الله في التاريخ لم يكن محصورًا بحدث واحد، إنه مديد ودائم الامتداد بأبنائه بالمنتسبين إليه بالإيمان، بالمسلّمين بوجوده وحضوره بالثالوث الظاهر دائمًا وفي كلّ حين وحراكه فينا، إذ نحن به نولد ونوجد ونتحرّك ونحيا. الأعياد تمتمات فصيحة لعمق الامتداد ومعناه، وهي بأجمعها تقود إلى يوم الجمعة العظيمة والفصح، وبسلوكياتها وطقوسها تجيء حصرًا من الفصح، إذ هو الكلام النهائيّ الذي قيل على الخشبة بالنصر المبين وقد بات عيد الأعياد وموسم المواسم.
إلاّ أن عيد الظهور الإلهيّ لا يقل قيمة عن عيد الفصح. وفي المدّة الزمنيّة، فإن الحدث العظيم هذا كان قريبًا من حدث الصلب والموت والفصح، وقد تبيّن ذلك عند متى البشير، إذا كل ذلك تمّ خلال عهد طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطيّ الوالي وقيافا ورؤساء الكهنة، أؤلئك الذين لعبوا دورًا أساسيًّا في صلب المسيح. قلت لا يقلّ قيمة، لأن المسيح فيه يكمل ما كان قد بدأه في التجسّد حين جعل نفسه مولودًا من امرأة تحت الناموس، وخضع في الختان للشريعة حين صار تحتها فيما هو في الأصل فوقها، وكلّ تلك العلامات والسلوكيات عنده تشير في حقيقة الأمر إلى مفردة واحدة لم تكن واردة في التاريخ البشريّ بأسره، وهي "الفداء". بمعنى أنّ المسيح فادي الكلّ بالمحبّة المترجمة بالآلام والنزول إلى الجحيم كما نزل في المياه . لم يلمس أي فيلسوف قديم أو معاصر أو حديث عمق الفداء، بحضور الله نفسه، أي ظهوره. هذا الذي لم يرَ رؤي. هذا الذي يحرّك صار يتحرّك، هذا الذي كان باردًا غدا بالمحبّة حارًّا. خطاب الفداء لم يكن ليستقيم في الوجود، إلا بهذا الانقلاب الكونيّ، أي بانحدار المملكة الأبدية إلى الزمن، "حيث ملء اللاهوت يحلّ به جسديًّا. وأنتم مملوؤن فيه، الذي هو رأس كلّ رئاسة وسلطان، وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد، بخلع جسم الخطايا البشريّة بحتان المسيح، مدفونين معه في المعموديّة، التي فيها أيضًا أقمتم أيضًا مع بإيمان عمل الله، الذي اقامه من بين الأموات" (كو2: 9-12). والانحدار، ووجه منه حصل بنزول المسيح إلى المياه في الأردن، تحوّل إلى ارتفاع، "الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السماوات لكي يملأ الكلّ" (أف4: 10).
تلك هي الثورة القصوى بذورتها الكونيّة وسطوعها الأزليّ-الأبديّ، أن الله يتمّم الفداء من التجسّد إلى الموت والقيامة، ويبقى معنا إلى منتهى الدهر من بعد إتمامه. وفي لحظة الغياب والمواراة تحت التراب يرافق المسيح المنتصر الميت فيصير به راقدًا، ويلازمه في الرقاد إلى أن يقيمه وينقله في رحلة معطرة بالنعمة والحقّ نحو جدّة الحياة به، وهذا تجلّى لأننا "دفنا معه في الموت، أي بالمعموديّة، حتى إنّه كما أقيم المسيح بمجد الآب كذلك نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة" (رو6: 4) محبوبيّة الله لوحيده هي محبوبيّة للإنسان متكاملة معه، متجانسة به متعاطفة مع آلامه فرحة لمسرّته شريكة له، وهي غير مختلطة بالخطيئة لأنها وجدت لتبيدها من أصولها حتى نصير إلى ملء قامته بالحبيب، بالقيامة المحيية.
الظهور الإلهيّ بهذا المعنى لا يقل قيمة عن الفصح. في الطقوس الأرثوذكسيّة وبعض أدبياتها، يكثر الكلام عن الصبغة التي قبلها المسيح بالمعموديّة. والصبغة تعني الشهادة، اي الموت. صبغة الماء غير بعيدة عن صبغة الدم بل مندمجة بها. فحين علّق على الخشبة. وبعدما مات أتى جند وطعنوا جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء، والذي عاين شهد وشهادته حقّ. كمال الصبغة تمّ في تلك اللحظة ليؤكّد معنى معموديته، ويجعلها مسرى حياة عقيديًّا، حين قال لتلاميذه من بعد قيامته "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح والقدس وعلموهم جميع ما أوصيتكم به وهاءنذا معكم إلى انقضاء الدهر" (مت28: 19-20). لقد عكس معموديته علينا، ليجعل من معموديته حياة جديدة تمنح لنا بالقيامة فبموته ابطل من كان له سلطان الموت أي إبليس، وهو يبطله ويبيده فينا بالمعموديّة، وقد عمدنا ونعمد أطفالنا على اسم الآب والابن والروح القدس بالتغطيس بالمياه ثلاث مرّات أي على اسم الثالوث القدوس، لنموت مع المسيح ونقوم معه بحياة جديدة تعطى لنا ويؤكّدها الميرون المقدس الذي فيه ختمنا باسم موهبة المسيح فتتجدد الأبدية بالجبلة البشريّة التي صار إليها المسيح لتتوثب نحوه فتصير قامة من نور.
هذا هو معنى الظهور بالفداء. إنّه الفادي والمخلّص، كلمة الله ووجهه وحجابه، إنه حبيبه وكليمه وكلمته. جاء إلى التاريخ، ونزل في المياه، ومشى عليها كما رآه بطرس في هزيع الليل، وكأنّه يمشي على الموت. مهمته أن يمشي على الموت ويدوسه، من دون أن يبتلعه، لأن الجحيم تقيّأته. مهمته أن يترجم المحبوبيّة بالمذبوحيّة التي جعل لأجلها قبل كون العالم، واتجه نحوها، ولم يأبه للآلام وإن رجا أباه أن تعبر عنه. لقد قرّر أن يصير رجل أوجاع لا منظر له يشتهى ولا حسن ولا بهاء، ليصير البهاء فينا من خلاله، حمل عاهاتنا لمّا صار على شبهنا ومثالنا وقرّر أن يرفعنا لنصير على شبهه ومثاله. بعد معموديته سيصوم ويختلي بنفسه أربعين يومًا في البرية يصارع إبليس ويؤكّد اتجاهه إلى ما شاءه الله له، أي أن يكون ابنه من المعمودية إلى التجلّي والموت، ثم يؤكّد هيمنته وسيادته على التاريخ بالنصر الإلهيّ أي بالقيامة.
مسيحيتنا تتأكّد بأن نحب يسوع كما أحبنا حتى النهاية، أن نحبّه من كلّ قلوبنا وعقولنا، أن نخلص له إخلاصًا لا متناهيًا، أن نعليه فوق الرؤوس والجباه، ونجعله سيدًا على حياتنا لا شريك له ولا أحد سواه. فلا معنى لوجودنا من دونه، ولا معنى لمسيحيتنا إذا لم يكن هو هدفها. لا يعيش المسيح فينا إذا لم نصر إليه ونفتح له أبوابنا، ولا يثبت في بلداننا المشرقيّة إذا لم نؤكّد ولاءنا له ونجعله حياتنا ونفتديه بأجسادنا كما افتداه أحباؤه في ساحات روما، ولم يأبهوا للظلم والموت. إنه ظهر حياة لنا لنظهر معه في المجد، والموت فيه ربح. لا نخشينّ داهمة ونائبة فهو القوة النارية العاصفة بنا بواسطة الروح القدس، التي تحرقها من دون أن يمسّنا عذاب. لن نثبت في لبنان وسوريا والعراق والأردن ونهره وفلسطين، إذا لم نتحرّك به، ونسير بقوّته، إذا لم نفهم في العمق انه المَشرق والمُشرق، ونحن معه مشرقيون إلى النهاية، لكونه مشرق المشارق، ليس من معنى أن نسمي أنفسنا مسيحيين إذا لم نفعل معموديتنا فوق بلداننا ونثبت فيها ونبقى، أي إذا لم نلبسه ونجعله وشاحنا وهو النور الذي لا يدنى منه، وقد صار فينا، ونجعل من بقائنا وصمودنا وعملنا ذبيحة شكر وتسبيح ناطقة ولاهجة به. أنت لست مسيحيًّا إلا لأنك لبست المسيح، أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم كما كتب بولس الرسول لأهل غلاطية. هذا يستدعي أن نثبت ليثبت فينا ويرتاح إلينا ويصير ممجّدًا بنا فوق هذه الربى والوديان والسهول والبحار والأنهار ورؤوس الجبال إلى منتهى الدهور، وليس أن نهرب إلى أرض غربة كغرباء وكأسرى عبيد عراة خالين من حضور ووجود بلا وطن ولا دين ولا إيمان.
هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت، وهذا أنتم أبنائي الأحباء وبكم سررت. فلنفعّل محبوبيّة الله بنا بهذا الذي اعتمد في نهر الأردن، وقد احتضننا بكرمه وعطفه وحبّه، وليس أسمى من هذا الحبّ العظيم المتجلّي بالمعمودية والفداء. فلنترجمه في دنيانا ليبقى بنا وبوجودنا ممجّدًا إلى منتهى الدهور في خطاب المحبة الظاهر فوق الأردن، اي فوق مشرقنا بثالوثها العظيم. آمين



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2019
top