2019- 05 - 25   |   بحث في الموقع  
logo الرئيس ميقاتي في عيد المقاومة والتحرير​: تضامننا ووحدتنا كفيلان بحفظ حقوقنا في مياهنا وأرضنا وثرواتنا البحرية logo بدء أعمال ازالة العوائق وتنظيف شاطئ الرملة البيضاء logo انفجار ألغام أرضية على الحدود logo حبيش: مشروع الموازنة اصلاحي logo ضربة لـ"جدار ترمب" logo حاصباني: تفاجأنا بتخفيض 170 مليون ليرة من إيرادات الاتصالات الأمر الذي سينعكس سلبا logo انفجار الغام ارضية في ميس الجبل بسبب حريق logo ميقاتي: تضامننا ووحدتنا كفيلان بحفظ حقوقنا في مياهنا وأرضنا
إلى المصلوب الحبيب (بقلم جورج عبيد)
2019-04-25 18:10:04



كم يجرحني أن أراك دائمًا معلّقًا على الخشبة، فيما عقول الناس تصحّرت، وقلوبها تصخّرت، وليس من رقّة ولين يقيمانك من وجعك الكونيّ على حروبنا ومآسينا وخطايانا، على كنيسة أمست كنائس، وناس احتسبوا عليك أو تسمّوا بك فيما أنت لم تولد فيهم ومنهم، ولا تزال نسيًا منسيًا في أزمنتهم وحياتهم. جمعات عظيمة مرّت في التاريخ، وأنت لمّا تزل مصلوبًا. وإذا بلغ الشعب المسيحيّ الفصح، يبلغون إلى ما يلهيهم عنك، أو خجلاً يتذكّرونك قائمًا حتى لا يفقدوا بعضًا من رجاء. لكنّ وجهك المكلل بالشوك والدامي لا يزال مطبوعًا ليس على منديل فيرونيكا، بل هو راسخ فيمن لا يزالون يتلذّذون بأن يروك مصلوبًا وغير قائم. لا أحد يصدّق أن قيافا ويهوذا وبيلاطس قد انعدموا من التاريخ وإلا لكانت الحروب قد بطلت وما بلغنا الانشقاقات على المستويات كافّة، وأنت في إنجيلك الكريم لم تنفها بل أصرّيت عليها إصرارًا نبويًّا شديدًا، لأنك قرأت أن أمزجة الناس لن تتغيّر منذ البداءة وها هي تزداد سوءًا.


لا تزال صرخة اصلبه اصلبه تطنّ في آذان من أسلموا وأخلصوا لك إلى اللانهاية. لقد حدت بهم إلى الثورة على الظلم. فأنت، بالنسبة لهؤلاء الأطياب، لا تزال مصلوبًا من المشرق إلى آخر دم أهرقت منذ أيام قليلة في سيريلانكا. كل قطرة دم تهرق وتسفك من أجل اسمك هي دمك، وعلى الرغم من ذلك، الخطيئة غير واقعة عند من الذبّاحين، فهؤلاء بدورهم مغرّر بهم، وقد دربوا من أجهزة عديدة على ان يبيدوا كل نسمة تلهج باسمك ويغلقوا كل بيعة أنت مقيم حيّ فيها. الخطيئة واقعة عند من خرجوا عن طاعتك ومحبتك ليختطفهم الليل، كما اختطف يهوذا الاسخريوطيّ وسخّره إبليسه ليبيعك بثلاثين من الفضّة. الخطيئة واقعة على بائعي الكنائس وعلى الذين دنّسوها كما تدنّس الهيكل لما تحوّل إلى مبنى تجاريّ كبير اقتحمه الباعة والصيارفة، وقد طردتهم وصرخت بهم: بين أبي ليس بيت تجارة. لقد كانت ثورتك عظيمة على هؤلاء، فماذا عن الذين باعوا ويبيعون كنائسك لتصير مراقص وملاه... وقد ذكّرنا الشاعر الإنكليزيّ الملحميّ توماس إليوت بأن أوروبا لم تعود نضرة إلاّ حين يمرّ كأسك فوقها.


وماذا عن الذين انفصلوا عن الرسالة الأولى وقد كانت هاجسًا كونيًّا، وباتوا مهمومين بالحياة المعيشيّة ومنهوكين بالفقر والحاجة والعوز، أو خاشين من اضطهاد وقد سكنهم الخوف والقلق؟ وفي المعطى الحاليّ، لا أحد ينكر صعوبة الحياة والظروف، لكن بالمقارنة مع من رأوك وحدك الرسالة وآمنوا بأنك الطريق والحقّ والحياة، ورأوك جبّارًا بتجمّع فيك جبرؤوت الأزل والصخر، الأبد والصوّان، فقد كانوا مؤمنين بضرورة أن يبقى وجهك منيرًا راسخًا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ومن النهر إلى البحر. كنت بصليبك وقيامتك قضيّتهم الأولى والجوهريّة وما اهتمّوا بما يأكلون ويشربون، حبيبك بولس العظيم الذي اصطفيته من الذين اضطهدونا في تلك الديار المشرقيّة وحولته إلى رسول الأمم كتب قائلاً "لا جوع ولا برد ولا عطش يفصلوننا عن محبة المسيح"، لقد فجّر صليبك في بولس نشيد المحبّة، لقد ألهم نبيلاً رومانيًّا كان على شرفته يرى أحباءك من سوريا وفلسطين متجهين إلى الشهادة وهم ينشدون بفرح غظيم سأل عنهم قال له حاجبه هؤلاء يعتقدون بأنّ إلههم حيّ ولذلك ذهبوا ليستشهدوا من أجله وليكونوا معه، وللتوّ آمن النبيل وقال هذه الأناشيد تعني أن إلههم حيّ وأقوى من الموت فأنا ذاهب لأستشهد معهم. كان حبّك قضيّة الشعوب الأولى، وانسكبت بسبب منه الينابيع على من رأوا بهاءك أسطع من الشمس وطهرك أنقى من البلور، وحبّك أقوى من الحقد، وسلامك أبق من الكراهية، فتفجرت الألحان من حلاوة وجهك، وسالت الكلمات من دمك، وعصف الفكر من روحك، وتدفقت الألحان من أبديّتك، لقد تحوّلت أيها المصلوب من رجل أوجاع لا منظر له يشتهى ولا جمال، إلى إله فيه الخير والحق والجمال. كان الإغريق أول من اكتشف ذلك الترابط بين الخير والحقّ والجمال، إنه مديد في ذلك الذي يحرّك ولا يتحرّك، لكنّه ظهر بكليّته فيك على الصليب، لأنّ لا خير ولا جمال ولا حقّ بلا محبّة، ميزتك أنك وحدك ومن دون سواك أعلنت نفسن محبّة وأظهرت ان الله محبّة، هذا الذي لم يرَ فيما سلف ولا فيما بدا، ولن يرى إلا بك، لم ير لا في دين ولا في حضارة. لم نعثبر على إله في التاريخ يذهب إلى موته الطوعيّ حبًّا وعشقًا. لم يحتدم العشق فقط عندك بل عند من استشهدوا لأجلك ولا تزال شهادتهم تحرّك التاريخ أو أنت تتحرّك بهم في التاريخ، كالإخوة الأرمن الذي لا يزال صراخ نسائهم وأطفالهم من على صلبان مدن المشرق يسمع إلى الآن، ولن يخرس حتى تقوم بالحقّ العائد لهم.


الذين انفصلوا أسروا أنفسهم في الخوف والقلق، قرّروا الهجرة عن أرض آبائهم وأجدادهم، لم تعد أنت يا سيد قضيتهم، هم أبناؤك بالاسم، ولست أنا بديّان بل كمراقب أتحسّس وأتلمّس وأقرأ. أنا أحس بغربة عنهم لأنهم هم من تغرّبوا، وأنا أعي وكما قال حبيبي المطران جورج خضر، بأنّ لا أحد أحبّني إلاّ ذلك الذي علّق على خشبة. أنت وحدك من ترفعني من غربتي العائليّة والمجتمعيّة إلى حقيقتك، وألتمس منك الرحمة والغفران عن كلّ ما اقترفته من خطايا في هذا العمر، وأرجو منك أن تنسكب على هؤلاء بحب كبير حتى لا يروك بعد الآن مصلوبًا بل يذهبوا توًّا إلى فصحهم بفصحك العظيم.


أنت أيها الجبار وإن بدوت مهانًا إلاّ أنك جبّار بالحب. أنت لا تحتاج وكما قال جبران خليل جبران إلى بيع كبرى وقبب شاهقة، أنت تحتاج إلى قلوبنا. تحتاج لنراك في ملوك الأرض وهم الفقراء الساكنون في العراء. ومع ذلك اسمح لي يا سيد أن أدعوك في الجمعة العظيمة أن تسمح بأن لا نزال معلّقًا بآلامنا على الخشبة، بل أن نرى أنفسنا طائرين بحبّك إلى الملكوت العلويّ لنمكث معك فتطيب الإقامة بعد نصر مبين هو نصرك العظيم الساطع في المسكونة. فقم يا ألله واحكم في الأرض لأنك ترث جميع الأمم.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2019
top