2020- 04 - 05   |   بحث في الموقع  
logo خطوة أميركية هامة ستحدد كيفية التخلص من كورونا! logo خطابٌ مرتقبٌ لنصرالله logo مع قدوم الصيف.. هل سينقل البعوض "كورونا" logo طائرة "الإجلاء رقم 1" إنطلقت.. "لا فحص!" logo بشرى لدياب من المطار logo وزير الصحّة من المطار.. لسنا إستعراضيين! logo "نظرية" وهّاب بخصوص "دواء كورونا" logo الحجار: "عجيب هالتجنّي!"
"المطلوب حكومة إنقاذيّة لهيكل تهاوى وليس حكومة لمّ شمل من أسقطوا الهيكل على الجميع" - بقلم جورج عبيد
2020-01-09 23:10:54



كتب على لبنان هذا الوطن الصغير أن يمتصّ أزمات المنطقة وحرائقها بأطروحات هشّة خالية من جديّة ورصانة وبعد بظر، فيما واقعه متدحرج ماليًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وقد بلغ قعر الهاوية.


في ظلّ تلك الحمأة المتصاعدة ضمن أنظومة اللجج المتعالية، وبدلاً من الانكباب على استخراج حلّ قانونيّ عادل وخلاّق لأزمة لبنان والمصارف، خرج دولة رئيس المجلس النيابيّ بتوصية غير مبرّرة وهي وجوب قيام حكومة "لمّ الشمل". والمفهوم الذي استعمله دولته جميل وبرّاق إذا رمنا إلى لمّ شمل اللبنانيين بأجمعهم ضمن مسلمّات أخلاقيّة وسياسيّة راقية. لكنّه في المفهوم الذي رامه دولته يحتاج إلى تصويب وتصحيح، فيما يعلم بأنّ الحراك الشعبيّ السليم والشريف في لحظته الأولى جاء على خلفيّة مختلفة مطالبة بمحاكمة الفاسدين والسارقين وزجّهم في السجون واستعادة الأموال المنهوبة واالمسروقة ومحاكمة من قام بتغطية السرقات وتهريب الأموال إلى الخارج، بلوغًا إلى الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها المصارف بنهريب أموال المودعين أيضًا إلى الخارج.


الذين سمعوا ما خرج عن دولته، فهموا أمرًا واحدًا: تعويم الحريريّة السياسيّة في لبنان التي أوصلتنا إل ما نحن عليه الآن من نوائب. فمن عاد إلى تاريخ ليس ببعيد، وقرأ عددًا من التفاصيل، عاين أنّ مؤسّس الحريريّة السياسيّة وهو الرئيس الراحل رفيق الحريري، استند بهذا التأسيس الذي تحوّل إلى مفهوم Phénoméne على شخصيّتين اساسيّتين وهما نبيه برّي ووليد جنبلاط. وانطلق التاسيس في ذلك الحين من ضمور الحضور المسيحيّ في لبنان ولا أقول الوجود، وأفوله سياسيًّا، وتحوّله إلى كيان مفلس خالي الوفاض، فتقاسمت الحريريّة السياسيّة تركة الإفلاس، وضمّت القوى المسيحيّة الضعيفة التي لا قرار لها إلى أجنحتها الثلاثيّة أي نبيه برّي ورفيق الحريري ووليد جنبلاط. وبعد ذلك راحت الحريريّة السياسيّة تعمل على ترسيخ مفهوم سيّء للغاية وهو الاقتصاد الريعيّ حيث تحوّل لبنان من خلالها إلى متسوّل ومتوسّل على أعتاب الدول، فإمّا يقترض وإمّا يساعَد، وعلى الحاتين يصير بلدًا مرهونًا ومديونًا في آن، مقابل ذلك كانت رؤوس الحريريّة السياسيّة تقتات من الدولة الطيبات على حساب الناس ووجودهم، وانطلقت الشركات من هذا المعين.


ومن الأسس الموازية للاقتصاد الريعيّ والتي طرحتها الحريريّة السياسيّة، مفهوم الخصخصة أي بيع قطاعات الدولة برمتها لشركات خاصّة، لنبدو في عمليّة البيع امام مشهد بالغ التعقيد والدهشة في آن، وهو فقدان سيادة الدولة على ممتلكاتها ومؤسساتها، فيما علت الخشية عند كثيرين من أن تدخل شركات أجنبية تستملك القطاعات فتكون غطاء بدورها لاقتحام إسرائيليّ يسير خلفها بغية التمدّد نحو لبنان ووضع اليد على قطاعاته ومؤسساته. بمعنى واضح كانت الحريريّة السياسيّة تعمل على إفراغ لبنان من ذاتيّته وإرثه ودوره وحضوره كما أفرغت وسط بيروت من ذاتيّته وتراثه الأصيل.


بعد هذا التراكم، جاء هذا العهد بمعركة قاسية تحت ستار استعادة الدولة لذاتها ومكافحة الفاسدين واستعادة الأموال التي نهبت. لم يكن تسليم بعضهم بالعهد نابعًا من قناعة أو اقتناع، وقد قال بعضهم لقد وصل ميشال عون إلى الحكم ولكنّنا لن ندعه يحكم. جاء ميشال عون بذهنيّة متوثّبة هادفة إلى التغيير الجذريّ، وانطلقنا بتسوية تعبّر عن لمّ الشمل ضمن مبدأ السير قدمًا في محاولة استنهاض الدولة بمؤسساتها وقطاعاتها. وبدلاً من السير بخطوات سريعة وجريئة تمّ تطويق عهد الرئيس عون، وبلغنا نحو مجموعة تمزّقات دراماتيكيّة وخطيرة بمدلولاتها، حاول الخارج استهلاكها، حتى ظهرت البداءات بأهدافها وعناوينها ومعانيها منذ تموز من السنة الفائتة 2019، أي منذ حادثة قبرشمون الشهيرة، والمترافقة بمجموعة أحداث عبّرت عن المعاني والأهداف عينها. في كلّ ذلك الحريريّة السياسيّة كانت متورّطة بتفجيره حتى العظم، إلى أن بلغنا اللحظة القاتلة والفاصلة في آن، وهي 17 تشرين الأوّل 2019. ثمّ ترافق الحراك مع التدحرج الماليّ الساحق لحياة الناس وكرامتهم، والحريريّة السياسيّة لم تكن بمنأى عن هذا التدحرج برموز بات يشار إليها جهارًا بالإصبع، إلى أن ضربت من بيت حليفها وصرعت برصاصة رحمة قاتلة لحظة لم تتمّ تسميته فجاء ذلك تبيانًا لإرادة خارجيّة واضحة مترافقة مع فعل داخليّ أمّنته القوات اللبنانيّة، مع فارق واحد بأنّ القوات اللبنانيّة لم تسمِّ كما اشتهى وليد جنبلاط نواف سلام، أي أنها لم تسّمِّ أحدًا في حين أنّ التيار الوطنيّ الحرّ قد سمّى الدكتور حسّان دياب رئيسًا للحكومة.


في مقابل ذلك، يحاول بعضهم تبرير قول الرئيس نبيه برّي، بأنّ ليلة الثاني من كانون الثاني الماضية، أي استشهاد اللواء قاسم سليماني بضربة أميركيّة مع رفيقه عبد المهدي المهندس، قد تفرض في لبنان خلط الأوراق على مستوى تأليف الحكومة، بحيث، وفي مفهوم برّي، يفترض إنتاجها بمضامين سياسيّة تحاكي الحدث الخطير وتمنع بالتالي إنزلاق لبنان نحو الحريق في الخارج. السؤال المطروح على الرئيس برّي هو التالي: ما هي المضامين السياسيّة المطلوبة لحماية لبنان من الانزلاق، والسؤال المستتبع، هل إنّ مألفة "حكومة لمّ الشمل"، بالضيغ القديمة ستمنع لبنان من الانزلاق، أو أنها ستكون مطيّة للدفع اكثر نحو الهريان بالفساد والإفساد؟


 وزير خارجيّة لبنان في الحكومة المستقيلة جبران باسيل في إطلالته التلفزيونيّة الأخيرة والماراتونيّة، قدّم قراءة نقديّة وتقنيّة لطبيعة التأليف، مشكّكًا بقدرة أيّ وزير على تحمّل وزر وزارتين أو حقيبتين، علمًا أنّه في حكومات سابقة رأينا هذه النماذج خلال حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، ولم تنتج جديّة في العمل (نجيب ميقاتي خلال حكومة رفيق الحريري كان وزيرًا للنقل والأشغال العامّة بعد دمجهما). وجبران في توصيفه على حقّ. في قراءة مرتبطة، رأى بعضهم بأنّ ما قصده باسيل أن تأتي الحكومة مواكبة ومحاكية لطبيعة المرحلة المقبلة ضمن ما اقترحه، وهو إبعاد لبنان عن الحرائق في المنطقة وعدم استعماله ساحة لها، أي أن تكون ووفقًا لقراءة حزب الله إنقاذيّة بالكامل. لا يسوغ في هذا المعنى رصف كلام الرئيس برّي في الإطار عينه، فهو فرض إشكاليّة شاء من خلالها خلط الأوراق وإعادة الأوضاع إلى المربّع الأوّل إلى المربّع صفر.


 بهذا المعنى، تختلف رؤية الرئيس برّي الحديثة عن رؤية حزب الله والتيار الوطنيّ الحرّ، وبالتالي، فهو يعبّر عن اصطفاف قديم ودائم لم ينفصل البتّة عنه، مؤلّف من حركة أمل والحزب التقدميّ الاشتراكيّ، وبصورة شخصيّة منه ومن وليد جنبلاط وسعد الحريري. وتضيء مصادر عارفة على الأسباب الموجبة إذ تقول بأنّ الرئيس برّي يخشى خشية فائقة من اتجاه الحكومة بدعم من العهد من فتح ملفّات معيّنة ومحدّدة يسبّب لموقعه المزيد من الندوب، وتذهب بقراءتها بعيدًا لتكشف بأنّ دولته يعيش علاقة لا تزال مأزومة بسوريا، وعلاقته بإيران غير ممتازة، بمعنى أنّه غير متبنّى منها. وتشير تلك المصادر العارفة، بانّ الأميركيين هم مصدر قوّته في كلّ العهود التي ترأّس فيها المجلس النيابيّ منذ عهد الرئيس الياس الهراوي إلى الآن، مع مفارقة بسيطة بأنّه في العهود السابقة أرسى علاقات متوازنة مع السوريين والسعوديين والإيرانيين، كان يملك القدرة على التوليف ما بين الرؤى، وقد أعطي أوراق القوّة من علاقاته المتوازنة للإحكام في المفاصل والتفاصيل الداخليّة. لكن ومع الحرب على سوريا يبدو أن الرئيس برّي فقد علاقاته المتوازنة بانكفائه عن زيارة سوريا والوقوف إلى جانبها ضمن منطق الرهانات الخاطئة، فلم تعد سوريا بدورها تبرزه كأحد المقرّبين منها، وبفعل ذلك فإنّ علاقته بالإيرانيين أمست شديدة الفتور، فلم يعد له على المستوى الداخليّ سوى الاتكاء والاتكال على بقائه ضمن الثنائيّة الشيعيّة كركن من أركانها، والاتكاء والاتكال على استمرار الحريريّة السياسيّة وديمومتها بعناصرها الداخليّة والخارجيّة لتأمين الحماية له، فكيف الآن وبعد العمليّة الدمويّة التي قامت بها أميركا باغتيالها للواء قاسم سليماني؟ وماذا لو قررت في لحظة من اللحظات أن تسحب الولايات الأميركيّة جيشها من العراق والمنطقة؟


 أطروحته الأخيرة حول حكومة لمّ الشمل، تنتمي إلى مخاوفه الداخلية والخارجيّة. وجميع المراقبين يعلمون بأنّ الولايات الأميركيّة تشنّ حربًا مالية شرسة على لبنان مثلما شنّت حربًا على العراق وقتلت في النهاية الفريق قاسم سليماني وعبد الهادي المهندس. إنها تقتل اقتصاد لبنان وماله "بشبح" اصطنعوه للإرهاب والإرعاب، كما تحاول ضرب العهد بتطويقه عبر الشبح عينه. أمام ذلك لا يمكن التضحية بلبنان وشعبه وتركه ضحيّة الشبح والفراغ وسعر صرف الدولار قد بلغ 2500 ل.ل. فليعلن الرئيس المكلّف الأكاديميّ الراقي الدكتور حسّان دياب من يعرقل تأليف الحكومة. بلوغ لبنان إلى هذه الناحية مرتبط بما هو قائم في المنطقة على الرغم من الدعوة لتحييد لبنان عن نيرانها، إنها حرب واحدة بالنار والدولار، هناك وهنا. الناس على أبواب المصارف تتوسّل أصحابها وتتسوّل منهم أموالها وجنى أعمارها بسبب ما سمي بالCapital control، فليؤلّف رئيس الحكومة حكومته وليتجه فخامته لقبولها، فالهيكل بهذا المفهوم سقط والبلد من أحشائه انفجر، والمطلوب حكومة تنهي هذه الأزمة بقضاء حيّ وعادل وبآفاق سياسية حامية له وإجراءات مالية وحاسمة جازمة... والفرصة متاحة وسانحة وموجودة ومطلوبة، طالما النيّة قائمة، والعقل يعمل، والظروف ببعض عناوينها تسمح.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2020
top