2020- 04 - 09   |   بحث في الموقع  
logo وزارة الصحة المصرية تكشف حقيقة إنتاج عقار لفيروس كورونا logo إغلاق مستشفى في الدقهلية بعد إصابة 16 من الطاقم الطبي بكورونا logo مدرس في جامعة صينية يؤكد أن مصر قادرة علي القضاء على كورونا logo علاج فعال لفيروس كورونا اخترعه مصري منذ 22 عامًا logo عضو الجمعية المصرية المناعة يكشف أسباب حدوث الحساسية في ظل انتشار الأتربة logo دراسة تؤكد أن الرجال أكثر عرضة من النساء للإصابة بفيروس"كورونا" logo ماغي بو غصن: “لازم نرجع نصور كرمال آلاف العائلات” logo وزير الخارجية يكشف كم وصل عدد طلبات "الإجلاء"
موقف البطريرك يوحنّا العاشر من لقاء عمّان الأرثوذكسيّ متوازن وراق (بقلم جورج عبيد)
2020-02-25 01:09:38



بطريرك أنطاكيا الحبيب يوجنّا العاشر أظهر إخلاصه الكامل لقدسنا الحبيبة بعدم تلبية دعوة بطريرك أورشليم ثوفيلوس للقاء أرثوذكسيّ تشاوريّ في عمّان على مستوى البطاركة الأرثوذكس، وكشف حرصه على وحدة الكنيسة الأرثوذكسيّة جمعاء ونقاوتها. فهو ثابت في مواقفه الصلبة والمحقّة، وإن غلّف بطريرك القدس ثيوفيلوس هذا اللقاء بوهج كيريل بطريرك موسكو، غير أن الوهج مكتنف بالضباب بعدم حضور بطريرك القسطنطنيّة برثلماوس وعدد من رؤساء البطاركة الأرثوذكس للبحث في مسألة أوكرانيا، بل أثبتوا مقاطعتهم بشدّة، وبالنسبة للكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة فإنّ قضيّة قطر بدورها جوهريّة غير خاضعة لسياسة الصفقات والمساومات، بل هي قضيّة مقيمة في الحقّ العادل الذي يخصّها بموجوديتها.


إلى ذلك، الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة في معظم أدبياتها الموثقة والمنصوصة، منذ البطريرك الياس الرابع إلى البطريرك إغناطيوس الرابع إلى المطران جورج خضر والمطران فيليب صليبا لم تغفل لحظة واحدة بأنّ القدس معراجنا إلى السماء كما قال البطريرك إغناطيوس الرايع. إنّها وبفكرنا اللاهوتيّ المشرقيّ قدس المسيح، لأنه قدس أقداسها، إذ ليس من مسيحيّة بلا قدس، والمسيحيّة بلا قدس غير راسخة، والقدس بداءة الكلام، لأنها الرحم للاهوت الخلاص، والمشتل الأوّل لانبثاثه إلى كلّ أقطار المسكونة. تهويد القدس بصفقة القرن، هتك فاضح للاهوت الخلاص الساطع من قلبها وجوهرها، وإلغاء كامل للمسيحية المشرقيّة من جذورها الناسوتيّة، وإبطال حقيقيّ لمسراها الكونيّ بالناسوت واللاهوت معًا المنكشف بيسوع المسيح نفسه فيها.


إنطلاقًا من شمولية تلك الرؤية، يأتي موقف الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة بإمامة بطريركها شديد الإخلاص عميق الوفاء لهذا اللاهوت الكامل. ذلك أنّ الأرثوذكس الأنطاكيين، وقبل نشوء قضيّة قطر سنة 2012، باستيلاء ثيوفيلوس عليها عنوة، وبالاتفاق آنذاك مع القطريين والإسرائيليين، بسبب المواقف المشرقيّة المشرّفة والصلبة لبطريرك أنطاكيا يوحنّا، غير متوانين بالمطالبة بأن تبقى القدس عاصمة فلسطين بعروبتها ومشرقيّتها. وقد أدرك الأرثوذكسيون على المستوى السياسيّ العام، بأنّ لا حلّ للقضيّة الفلسطينيّة خارج سياق بقاء القدس لا سيّما الشرقيّة للدولة الفلسطينيّة. الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة مدركة بأنّ فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، أقطار مرتبطة بفجر المسيحيّة، وليس من انسلاخ بينها وبين المسيحيّة، وليس من انسلاخ وبصورة اعمّ بين هويتها والمسيحيّة، وقد كانت الطريق من القدس إلى أنطاكيا وإلى العالم، وفي الزمان الحاضر تبقى القدس أيقونتنا الشريفة التي لا نتخلّى عنها، ولا تساوم الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة على كينونتها وكيانيّتها وهي حتمًا وبالمبدأ، ومن دون التدخّل في شؤون كنيسة أورشليم الداخليّة، رافضة رفضًا مطلقًا لسحق المسيحيّة المشرقيّة والعربيّة في القدس، ومحق وجودها ببيع أوقافها. المسيحيّة هي يسوع التاريخيّ والسماويّ في آن.


لقد شاء ثيوفيلوس التموضع في اجتماع كهذا، مستدخلاً نفسه في التناقضات ليقينه بأنّ هذه التناقضات تحجب عنه المساءلة أقلّه من جانب المشارقة-العرب باندراجه إلى جانب البطريركيّة الروسيّة واستطرادًا إلى جانب موسكو، وكما كتب صديقي ونسيبي العزيز الباحث الأرثوذكسيّ الباريسيّ الهوى واللبنانيّ المولد والانتماء كارول سابا في جريدة النهار بتاريخ الاثنين 24-2-2020 "فهو يلعب بالنار. فنار القسطنطينيّة تنصبّ عليه من كلّ حدب وصوب كونه يخرج من بيت الطاعة اليونانيّة بدعوته ومن دون موافقتها البطاركة الأرثوذكس إلى لقاء الأردن". لا يقتصر التموضع عنده في التناقضات بين القسطنطينيّة وموسكو، بل استطرد وذهب بعيدًا إذ وضع نفسه في قلب الصراع الأميركيّ-الروسيّ حول اوكرانيا بالدرجة الأولى وحول المشرق بالدرجة الثانية. فالنفوذ الروسيّ في المناطق المقدّسة وفي فلسطين المحتلّة متعاظم، والبطريركيّة الروسيّة تعيد إنتاج نفسها في فلسطين المحتلّة. البطريركيّة والدولة الروسيّة غير منفصلتين في لعبة الجيو-بوليتيك المشرقيّ. والأميركيون بدورهم مع الإسرائيليين يحاولون استهلاك الجيو-بوليتيك المشرقيّ ليبقى النفط والغاز والمقدّرات الحيويّة عناوين تثبت ديمومتهم في السيطرة على الشرق الأوسط.


ثيوفيلوس اليونانيّ الأصل يتغطّى بهذه الرؤى، لكنّ السؤال المطروح هل روسيا مقتنعة بالتعاون معه، وهل تبني بطريركيتها تعاونًا وثيقًا أو تستهلكه لحظويًّا بانتظار انتفاء الصراع بينها وبين أوكرانيا، وكيف سيبرّر نفسه أمام بطريرك القسطنطينيّة، وقد دعمه في مسائله وعدائيّته الواضحة للعرب والمسيحيين المقدسيين، وساهم بجمايته وتثبيته في موقعه، بعدم سماع صوت المقدسيين العرب المندّدين ببيع الأوقاف والمحذّرين من تداعياته وانعكاسه على الوجود المسيحيّ الأرثوذكسيّ والعام في فلسطين وطن يسوع؟


ليس الهمّ في هذه العجالة الإضاءة عليه في علاقته مع الفنار، وعلى النتائج التي قد يحصدها في نهاية المطاف. بل همّ هذه العجالة أن تظهر بأنّ الموقف الأنطاكيّ بعدم مشاركته في لقاء عمّان محوريّ. ومحوريته مستندة على الروح المجمعيّة ولا تستهدف كنيسة موسكو على الإطلاق ولا الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. فالبطريرك يوحنّا العاشر لا ينسى ثبات الموقف الروسيّ في الحرب على الإرهاب في سوريا والمساهمة في دحر القوى التكفيريّة من أراضيها، وزيارة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى جانب الرئيس بشار الأسد إليه في البطريركية في دمشق لأكبر دلالة على ثقة روسيا بدوره المبارك والخلاّق وعلى دعمها له ومن خلاله لبقاء مسيحيي المشرق في بلدانهم,


من عاد إلى بيانات المجامع الأنطاكيّة منذ بدء الصراع في أوكرانيا وعليها، اكتشف بأن الموقف الأنطاكيّ المجمعيّ لم يدعم لحظة واحدة موقف البطريرك المسكونيّ في شأن أوكرانيا، بل دعاه غير مرّة لكي يدعو إخوته البطاركة من أجل التشاور في المسألة، وتخفيض منسوب الصراع المؤدّي حتمًا إلى تعميق وتوسيع الانشقاقات داخل العالم الأرثوذكسيّ، وقد حاول غير مرّة بأخذ قضيّة قطر كحالة أنموذجيّة لهذا الانقسام ليصطدم بمثالب ثيوفيلوس السياسية والبعيدة المدى المغطاة من برثلماوس نفسه، وكأن ثيوفيلوس وبرأي متابعين المشرّع والمحفّز الأول لهذه النوعية من الانقسامات، وها هو وبحسب المتابعين عينهم يستعمل لقاء عمّان ويضعه في لعبة التسويات وثقافة الصفقات وتسويغ المقايضات، إخفاءً لدوره المشبوه في بيع العقارات.


بيان الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة، كان واضحًا بعدم المشاركة، وقد صدر بتوازن كبير بقوله: "إنّ عدم المشاركة يأتي استنادًا إلى ما توافر لها من معطيات، وفي سياق الحرص على تفادي ما يزيد التباعد وما يعمّق الشرخ بين الإخوة، من دون أن تغفل حرصها على الإسراع في إيجاد الحلول اللازمة للأسباب التي أدّت إلى قطع الشركة بين كنيسة أنطاكية وكنيسة القدس، بعدما أبدت كنيسة أنطاكية استعدادها لكلّ ما سهّل هذه الحلول". الكنيسة الأنطاكيّة أمينة على الوحدة بين الكنائس الأرثوذكسيّة بمقدار أمانتها على وحدة المسيح الراسخة، وأمانتها على هويتها المشرقيّة الجامعة. فالوحدة بين الكنائس الأرثوذكسيّة نابذة للجور، ولافظة للآحاديّة، ومتقيّاة للمثالب. والكنيسة الأنطاكية عانت غير مرّة من ظلم ذوي القربى بعدم وضع إصبعهم على الجرح بمسالة قطر، وقبل ذلك بمسألة فلسطين وهي تعنيها لكونها تبنتها ببداءتها وامتدادها الكونيّ وقد بدت عندها جرح الإنسانيّة وليس جرحًا عربيًّا فقط، وهي الداعية لعودتها إلى هويتها العربيّة، وفي الوقت عينه، رفضت قرار البطريرك برثلماوس الآحاديّ الجانب بالاعتراف باستقلال الكنيسة الأوكرانيّة كرمى للأميركيين وصراعهم مع الروس. فقرار كهذا لا يخضع لآحاديّة البطريرك المسكونيّ لأنّه الأوّل بين متساوين. فرادة الكنيسة الأرثوذكسيّة بمجمعيتها وهي تأبى تراكم الآحاديات لأنها، وباصطفافها المصطنع، إعلان انقسام وبدء تمزّق وتدحرج نحو هاوية سحيقة للغاية.


لقد كان كارول سابا على حقّ بتوصيفه في ختام مقاله المنشور بجريدة النهار بقوله: "تتدحرج كرة النار التي تطيح بوحدة الكنيسة الأرثوذكسيّة الجامعة. وكأنّ القوى التي تستهدفها تريد تفتيتها وتفكيكها وضربها وإسقاطها من الداخل... أين الكنائس الأرثوذكسيّة من لعبة الأمم هذه لتضع لها حدًّا ولأدواتها المزروعة في أرض القداسة والتي أمست أرض الحديد والنار والانقسامات؟"


إنها أميركا بالدرجة الأولى والمسيحية المتصهينة في إدارتها المستهدفة لاستقامة الرأي المسيحيّ في العالم. الصراع لم يعد ماليًّا ونفطيًّا واقتصاديًّا، بل لاهوتيّ مبدئيّ بامتياز، والأرثوذكسية كانت السدّ المنيع بوجه اندثار المسيحيّة على الرغم من سقوط القسطنطينيّة وضياع فلسطين منّا فيما بعد. القدس قبلتنا، فمتى عادت القدس لنا بكون قد وفقنا بالوقوف بوجه لعبة الأمم التي تقودها أميركا حينئذ يستيقظ المسيح فينا ليبقينا على رسوخنا في العالم أجمع شاهدين له الآن وغدًا وفي كل زمان ومكان.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2020
top