2020- 09 - 26   |   بحث في الموقع  
logo عادل أفيوني: حسنا فعل اديب بالاعتذار بدل الرضوخ لنهج أثبت عجزه logo مودي: الهند ستسخر طاقاتها في إنتاج لقاح ضد كورونا لمساعدة العالم على محاربة الفيروس logo الأمم المتحدة: اشتباكات طرابلس تستدعي بالغ القلق وتؤكد ضرورة إصلاح قطاع الأمن في ليبيا logo الكاظمي: القوات الأمنية تريد فرض سلطة الدولة ولم تستهدف العشائر logo بهية الحريري التقت وفدا من تجمع المؤسسات الأهلية في صيدا والجوار logo إجراءات جديدة تمنع تكدس البضائع بالموانئ والمخازن الجمركية في مصر logo فرعون: لايجاد الية مبسطة لصرف التعويضات للمنكوبين في بيروت logo الصحة الأرمينية: نعتزم لشراء 600 ألف جرعة لقاح ضد فيروس كورونا
ما كان قبل الانفجار ليس كما سيكون بعده (بقلم جورج عبيد)
2020-08-08 00:13:53



جورج عبيد -


هل كنّا بحاجة لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون لكي يملي علينا كيف تكون الكرامة الوطنيّة لو كنا نملكها؟ الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت أثبت وبقوّة أننا فاقدون لها. الطبقة السياسيّة برمتها التي جمعها ماكرون على طاولة مستديرة في قصر الصنوبر غير متماسكة وغير متمكنة من مواكبة الكارثة بكبر نفس وعطاء قلب وكرم وجود.
ماذا قدّم المليارديريون لمنكوبي كارثة بيروت سوى النعيق والنهيق والشهيق والزغيق؟ كيف يجسر هؤلاء الأوغاد من النظر إلى الناس إلى عيون دامعة على حبيب وساخطة على دمار جنى العمر وفناء كلّ شيء؟ هؤلاء المجرمون آن الوقت ليلفظهم لبنان، هؤلاء الحاقدون آن الوقت لتطالهم عدالة الله وعدالة القضاء، فلا يكون لبنان دولة القضاء والقدر بسبب تملّكهم القسريّ وخطابهم الفوقيّ واستمرار بعض المراجع الطائفيّة من اعتبارهم خطوطًا حمراء. آن الوقت للخلاص من شخصانيّة المجرمين والفاسقين والسارقين واللصوص، الذين كانوا سببًا رئيسيًّا لوصولنا إلى تلك الكارثة سواء كان الانفجار الزلزال ناتجًا عن اعتداء أو عن احتكاك كهربائيّ. هؤلاء قدّموا بفسادهم وإفسادهم خدمة كبرى لإسرائيل بتدمير بيروت، هؤلاء هم من أفلسوا خزينة الدولة من دون أن يرفّ لهم جفن، هؤلاء هم من تعاقدوا وتحالفوا مع المصارف ومصرف لبنان حتى أفلسوه من بعدما مارسوا عليه رتبة القاتل الاقتصاديّ.
الانفجار-الكارثة، كشف عورة هؤلاء وعيوبهم. بيروت ولبنان ليسا أنشودة حنين أو شعرًا بهاؤه فارغ. بيروت ولبنان حقيقة وجوديّة ثابتة. هؤلاء الذين انتظروا إيمانويل ماكرون ليبثّوا سمومهم، هم من زرعهم الأميركيون والسوريون والسعوديون في مرحلة الضلال الكبير، يوم اتفقوا عليه، وأتوا باتفاق وهميّ أظهروه بالنصّ لإلهاء اللبنانيين به فيما النصّ الفعليّ شرّع فعل الاستلاب، وعمّم مبدأ الإدارة العميقة، ورسّخ ما سمّاه ابن رشد بطبائع الاستبداد.. إنها الحجب المغطيّة منذ سنة 1993 لعمليّة إفراغ لبنان من محتوياته، بسحق هويته على كافّة الميادين. هل يعقل على سبيل المثال تشريع وتسويغ تملّك الأجانب على حساب اللبنانيين فيما اللبناني غير قادر على التملّك في البلدان العربيّة-الخليجيّة.
من هنا أتى كلام فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، ليس بالمعنى التقييميّ بل بالمعنى التقريريّ والمتلاقي حتمًا مع كلام سيد المقاومة بعدم التهاون في التحقيق مشيرًا في الوقت عينه. ومن هنا جاء كلام الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون التحذيريّ، وقد أصرّ في متن حديثه بأنه لن ينوب عن الحكومة اللبنانية. (المفارقة هنا أنّ بعض فاقدي الإحساس بل الانتماء الوطنيّ رجوا ماكرون بأن يعيد لبنان إلى الانتداب الفرنسيّ، فيما الرجل كان واضحًا بأنّه لن ينوب عن اللبنانيين، وقد عبّر جوابه عن شهامة واقعيّة). حشوُ وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو الكلام الذي ظهر في الشارع برجاء العودة إلى زمن الانتداب فقدان خطير للذاتية اللبنانيّة. إيمانويل ماكرون تكلّم عن الأخوة والصداقة والمتانة في العلاقة اللبنانيّة-الفرنسيّة نظرًا ملا عندنا من خواص ثقافيّ وفكريّ ولغويّ مشترك يجمعنا بعمق وقوّة. هذا رجل يعرف معنى أن يرتفع أديب لبنانيّ كأمين معلوف على عرش الأدب الفرانكفونيّ، أو ناديا تويني وشارل قرم وهكتور خلاط على عرش الشعر الفرانكفونيّ، كما ذقنا بدورنا شعر مالارميه وروسو وصولاً إلى بول فاليري، وفكر ماسينيون والأبوين لامنس وغابرييال لوبرا والأب جان كوربون ودوبره لاتور ومونتسكيو، وروايات زولا وبالزاك وهوغو... نحن وفرنسا عشرة عمر، وتبقى العلاقة قائمة على تلك العراقة.
في المسرى السياسيّ، تحتاج القراءة إلى واقعية شديدة لكنه ما يرى وما لا يرى. ما رأيناه، أننا أمام زيارة حملت في مضمونها وطياتها عناوين إصلاحيّة كشفها للمجتمعين وجاءت لغته بهذا المعنى شديدة التوبيخ. من الواضح بأنّ الزيارة جاءت بعيد هذا الانفجار الزلزال، بمضمون غير مرئيّ، عنوانه ما قبل الزلزال مختلف عن ما بعده.
تدل الاستنتاجات بناء على مجموعة تشاخيص، بأنّ الانفجار في المرفأ أكّد وبلا ارتياب بأنّ الإرهاب متلازم ومتماه مع الفساد، الذي استبقى هذا العنبر مليئًا بالغاز أمونياك. ليس من شيمي القفز فوق التحقيقات القضائيّة للتشويش، فللقضاء قدسيته في الإضاءة الواقعية على هذا الملفّ. المؤلم عندنا هو استبقاء هذا العنبر من دون تحرّك ينقله من مكانه سيّما أن إدارة الأرصاد في عمّان الشقيقة كشفت أن قوّة الانفجار فاق ال4.5 على مقياس ريختر.
غير أن فخامة الرئيس كسيّد المقاومة وضعانا أمام احتمال شديدوجديّ بأن نكون أمام عمليّة إرهابيّة رهيبة في الشكل والمضمون. وبعض التقارير والقراءات أشارت إلى هذا الاحتمال. ليس الخطاب محصورًا فقط في العمليّة الإرهابيّة بحال ثبتت قضائيًّا بل بما تحمله من مضمون أمنيّ وسياسيّ دسم للغاية.
في الرابع عشر من شباط سنة 2005 حين اغتيل الرئيس رفيق الحريري، كان وصل دوي الانفجار إلى خارج لبنان. احتار المحققون في طبيعته ونوعيته، إلى أن أعترف جون بيركنز (المسؤول الأساسيّ في وكالة الاستخبارات الأميركيّة، والقاتل الاقتصاديّ لعدد من الدول) وديفيد وين في كتاب النفاق الأميركيّ لعمران أدهم بأن كوندوليزا رايس هي من قتلت رفيق الحريري، وأتى الاغتيال بصاروخ أميركيّ مباشر من الجوّ. في قراءة خبراء، بأنّ نوعيّة الانفجار في المرفأ في الرابع من هذا الشهر الجاري لا يختلف على الإطلاق عن نوعيّة الانفجار سنة 2005، بل هو الأشدّ فتكًا لأنه دمّر بيروت بأكملها بلا تمييز. بمعنى أننا بتنا أمام دمار نوعيّ بالمطلق يحوي عنوانًا واحدًا ما كان قبل غير ما هو بعد.
أحد رجال الأعمال وهو مقرّب جدًّا من الإدارة الأميركيّة، وفي أثناء قراءة أجراها مع صديق له لبنانيّ، روى له بإسهاب ما يفكّر به الأميركيون تجاه لبنان منذ تمرد 17 تشرين الأوّل سنة 2019. فأفرد له بأن الخطّة تحمل منهجًا عنوانه الشلل الاقتصاديّ والماليّ، والأميركيون عاكفون على تدمير لبنان ماليًّا واقتصاديًّا في حرب مباشرة عليه وعلى سوريا بعدما ثبت فشل الحروب العسكريّة هنا وثمّة. ثم أردف قائلاً: بعد إتمام عمليّة الشلل بواسطة المصارف والقطاعات بعنوان هو دولرة الحرب، ستنتقل أميركا إلى منهج آخر عنوانه تكسير وتدمير البنى التحتيّة، والمخاوف أن تنطلق من المرفا إلى المطار إلى مؤسسات ومراكز حيويّة للبلد، مستغلّة الفوضى العالميّة الخلاّقة، منطلقة بعد ذلك إلى تكوين نظام جديد من لبنان إلى المنطقة تحفظ فيه اميركا موقعها في التسوية المطلّة والتي على أساسها سيتكوّن النظام الجديد للشرق الأوسط. والهدف حتمًا إضعاف حضور الحزب في لبنان والمنطقة.
هذا الكلام جاء منذ أكثر من خمسة أشهر. وبالتالي، فإن انفجار المرفأ ليس منفصلاً على الإطلاق عن الحرب الأميركية الممنهجة على لبنان، والطبقة السياسيّة المأخوذة إليها غير عالمة بأنها ستنعكس عليهت، لأنها، ومن ضمن القراءة الأميركيّة لم تقم بشيء يحفظ مصالحها المتماهية بالدور الأميركيّ. ولذلك فإن الكلام على تكوين نظام جديد للبنان أكثر من جديّ ولكن لن يكون استلهامًا للإرادة الأميركيّة. وفرنسا وإن كانت ملتزمة مع المجتمع الدوليّ بالشروط الإصلاحيّة حتى ينال لبنان المساعدات من الصندوق النقد الدوليّ، غير أن الافتراض الموضوعيّ بأنّ فرنسا غير ميالة إلى التظرّف الأميركيّ في الضغط على لبنان عن طريق الحرب الماليّة، بل ميالة إلى القراءة الموضوعيّة حتى لا يسقط الهيكل بلا بدائل واضحة.
لماذا هذا الافتراض؟
1. لأنّ فرنسا أقرب إلى الذهنيّة اللبنانيّة بخصوصياتها المتشعبّة أكثر بكثير من أميركا نفسها التي تدير العالم بلا إدراك لعمق الخصوصيات والثقافات.
2. لأن فرنسا وإن تماهت مع الأميركيين على مستوى الامتداد في العالم في بعض العناوين غير أنها في مسألة المشرق برمته فهي مدركة بأنّ الاخلال بالتوازنات في جوفه سينهيه وستكون أوروبا تحت خطر شديد فكيف لبنان وهو الأقرب إليها؟
3. لأن فرنسا تبحث عن إعادة دورها ولكن ليس عن طريق الشراكة في تقسيم المنطقة بل عن طريق الشراكة في إحياء شراكة الداخل على بناء الدول بخصوصياتها وبحداثة جديدة.
4. لأن فرنسا تبحث عن تواجد لها في الأنظومة الجديدة المؤلفة من روسيا والصين وإيران، وستضطر من هذه الناحية إلى تحسين علاقتها مع روسيا، وهي تعمل على استبقاء التواصل مع إيران على الرغم من الضغط الأميركيّ.
5. لأنّ فرنسا مدركة بأنّ انفجار المرفأ عمل إرهابيّ، ووجود ماكرون الفائق السرعة بعيد الانفجار احتواء لتداعيات الانفجار بالمعاني المرادة له.
6. لأن دولة لبنان الكبير وليدها، وهي غير قابلة بالتفريط به وقد وشت خطابات إيمانويل ماكرون بذلك في أكثر من موقع مركّزًا على الصداقة والأخوة والخصوصية الجامعة بين الدولتين والشعبين.
7. لأن فرنسا حريصة بدورها على إعادة الاعتبار للعلاقة بينها وبين سوريا، ولبنان هو المدى الطبيعيّ لذلك.
8. وأخيرًا لأنّ فرنسا قررت التعاطي بالعنوان اللبنانيّ ببراغماتيّة متوازنة وقد أعلن ماكرون ذلك جهارًا حين سئل عن اللقاء مع فئات سياسيّة تعتبر فاسدة جاء جوابه بأن لا يمكن أن ينوب عن اللبنانيين وهذه فئات منتخبة من الشعب.
9. ولأنّ فرنسا لا تزال تنظر إلى حزب الله كمكوّن جوهريّ، وهي لا تتوسّل النزاع معه بالمطلق. ولعل وقفته مع الحاج محمد رعد من هذه الناحية كانت لافتة للغاية.
ختامًا ما كان قبل الانفجار ليس كما هو بعده. بيروت أرض يباب، المجرمون شاؤوا التغيير بالموت والدمار، ومع ذلك ستقوم بيروت ويقوم معها لبنان.. لبيروت الحبيبة من قلبي سلام لها.



التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBAANON ALL RIGHTS RESERVED 2020
top