2020- 06 - 05   |   بحث في الموقع  
logo محمد الدوسري يؤكد أن الجيش الأبيض نجح في أداء مهمته تجاه مصابي كورونا logo 7 فوائد لفاكهة "الكيوي" تعرف عليها وحافظ على مناعتك قوية logo اقتصاديون خليجيون يؤكّدون أن "كورونا" فرض الكثير من المتغيرات logo رئيس الجمهورية للحكومة: نحنا ما إلنا علاقة!!… غسان ريفي logo هل يتكرّر ″السبت الأسود″ يوم غد؟… عبد الكافي الصمد logo أي مصير لحراك يوم السبت؟… ديانا غسطين logo هل تحول كورونا في لبنان الى ″غب الطلب″؟!… عزام ريفي logo ماذا في أسرار الصحف؟
الحوارات الطاعنة
2009-07-24 00:00:00

(حسن حميد) فعلاً،

أكاد أختنق، وأنا أتابع هذه الحوارات الطاعنة، الراشحة بالحسد والكراهية حيناً، وباللوم والتكفير الوطني حيناً آخر، والنعي الثقافي لكل إبداع حيناً ثالثاً.

حوارات يتبادلها أدباء، وكتّاب، و أهل رأي... فلا تبدو منها سوى الشماتة والتخوين، ولا عنوان لها سوى التحطيب من أجل موقدة نارها حامية.

لا أدري حقاً، كيف تتعايش هذه الثنائيات العجيبة داخل الذات الكاتبة أو المبدعة، رهافة هنا، وقسوة هناك، حساسية مذهلة هنا، وجلافة موجعة هناك، ثقافة عالية في النصوص، ووضاعة وسطحية في الحوارات المكتوبة، الجنة هنا، والجحيم هناك، روح الملائكة هنا، وأفعال الشياطين هناك... تسامح وقبول بالآخر هنا، وعدوانية ورفض للآخر هناك..

أي عالم من التحارب هذا؟ وأي أحكام جائرة تصدرها ذوات لم تعرف، من قبل، سوى الدروب الظليلة؟! وأي عيون هذه التي ترصد كل حركة، ونَفَس، ولمح وإشارة.. كي تُصدر أحكاماً شديدة العنف والقسوة... لا غاية لها سوى الإلغاء والتحطيم.

قد تكون القسوة رابخة في النصوص، في الأفكار التي روجعت مرات ومرات تحت مراس البصر والبصيرة، فبدت بعد التأمل والتفكر الطويلين، وقد تكون المكاشفة الحادة والجارحة في النصوص بعدما شوتها نار العقل... لكن أن تكون القسوة والمكاشفة والحدة والتحطيب والإقصاء.... كلها وليدة حوار انفعالي محتشد بالشتائم واللوم فهذا ما لا يقبل به عاقل أو منصف.

أمد هذه العتبة المثلومة، بعدما تابعت عشرات الحوارات الثقافية بين أدباء، ونقاد، وأهل رأي، وفن، وما من شيء فيها، أي الحوارات، سوى رأيين، الأول: يريد التحطيب، والإقصاء، والإماتة للآخر، والثاني: يريد الدفاع عن نفسه، وبيان موقفه، ورد التهم، و تفنيد الأحكام الجائرة... وفي كلا الأمرين لا ينفع تاريخ أدبي، و لا تشفع موهبة، ولا يؤخذ بالمواقف الثقافية السابقة، ولا يحسب أي حساب لتجربة أدبية تكاد تلتهم العمر إلا قليلاً... و ليت الأمر يقتصر على المتحاورين الاثنين، عندئذ نكون قد حددنا إطار الحوار وعرفنا مداه، ليته يقف عند آرائهما وما يخص تجربتيهما أو القضية التي يناقشانها... لو حدث ذلك لخرج المرء /المتلقي/ المتابع بأقل الأضرار التي لا تتعدى نطاقهما وحدهما... و لكن الحوار، وبسبب انفعاليته، وغضبته العارمة، يجرف في طريقه آخرين، وتجارب، و تواريخ، ومقامات، وبلاد، وكرامات... دون الانتباه إلى ما يحدثه الأذى من تدمير في الذات الإبداعية، والذات الإنسانية في آن معاً...

أعرف أن ما من عاقل يقف ضد الحوار، فالحوار يبني حين يكون مؤسساً على أخلاقية أدبية، و اجتماعية، ووطنية، ومن دون هذا التأسيس يصير الحوار رجماً بالحجارة، و تقطيعاً بالمُدى،  وحرقاً بالنار...

من دون الأخلاق الأدبية والاجتماعية والوطنية يصير الحوار مرضاً ثقافياً غايته غاية الأمراض الأخرى، أي القتل، والإبادة، وليس الإنهاك، والإضعاف وحسب. عندئذٍ لا بدّ من مواجهة هذا الحوار القاتل ولجمه نهائياً كي لا يتكاثر أو يتوالد... أو يقوى... بقولة أخرى لا بد من الحضور الإنساني في صلب أي حوار لأن ملح المصداقية لأي حوار هو إنسانيته... ومن دون هذه الإنسانية يغدو الحوار عدوانية ما بعدها عدوانية...

إن الغاية الأولى للحوار ليست التعارف و كشف الغوامض، وبيان المتواري، ومعرفة الآخر، و جلو الأفكار وحسب، وإنما هي تقريب المسافة ما بين الأطراف المتحاورة من أجل شق درب واضح تمشيه الأطراف مجتمعة... لذلك حين ينحرف الحوار عن غايته الجوهرية، أي الاعتراف بالآخر، وقبول تجربته وأفكاره، والتسليم بخصوصيته... عندئذٍ يغدو الحوار عدواناً، وتحطيباً، واقصاءً للآخر... وهذا ما لا يقبل به عاقل وعى أن الحياة اجتماع، وأن ليس خارج الاجتماع سوى العزلة القاتلة.

وكي لا أظل متلبثاً عند هذه العتبة أقول، لقد أثار الحوار الدائر بين د. عادل سمارة، والأديب ابراهيم نصر الله حزني، وأصابني بالاختناق، وقذف بي إلى دائرة الخوف الحقيقي، ذلك لأن الدكتور عادل سمارة، ومنذ استهلال الحوار الذي بدأه، حاول أن يمحو تجربة ابراهيم نصر الله الأدبية الضافية بجرة قلم كما يقول العامة، وأراد أن يكفره وطنياً، وأن  ينقل اسمه إلى القائمة السوداء المرجومة التي يعرفها أطفال فلسطين، و التي تعني الخيانة أياً كانت مقاييسها وأشكالها... وهذا ما لا يجوز بالمطلق، بل إن هذا... (وهو كبير جداً، وفظيع جداً) لا يصدر عن أديب متبصر صاحب روية..

أنا شخصياً لا أعرف د. عادل سمارة عن قرب فهو يعيش في (أرض الله الصغيرة) التي أعشقها، وأعشق خطا أهلي التي تمشي عليها، و أعشق نعالهم (القديمة والجديدة) في آن... وقد حدثني عنه أصدقاء من داخل تلك الأرض العزيزة فأثنوا عليه، و قرأت له كتابات رائعة أدركت من خلالها وطنيته العالية، و عرفت مواقفه النضالية... منذ مستهل التسعينيات كفاصلة تعارف، وحتى يومنا الراهن، وأتابع ما ينشره على المواقع الالكترونية، وهو في جلها، رجل وطني، ورجل علم، و أهل للثقافة والمناددة والمحاورة، كما أنه جهة اعتبارية يعتز المرء بمعرفة رأيها في الكثير من القضايا الثقافية والوطنية، و أعلم أيضاً أنه من (أهل عدم الرضا) لدى أصحاب النفوذ والحول والطول، رجل يعمل بعلمه ووفق بوصلته الوطنية. هذا حقاً ما أعرفه عن الرجل، وكثيراً ما حرصت على أن أستقبل مقالاته في بريدي الالكتروني، عبر أصدقائه و معارفه الذين كان لهم الفضل في معرفتي به ومتابعته... ولأن د. عادل سمارة هو على هذه الصورة المبهجة، أقول إنه أخطأ في حديثه عن ابراهيم نصر الله، و قسا عليه كثيراً إلى حد (تكفيره وطنياً).. وابراهيم نصر الله هو من هو... شجرة زيتون فلسطينية زيتها الشعر، والرواية، والثقافة، والأدب، والحوار،  والهمة العالية، والمواقف الوطنية الصافية... قبل وقت من وقتنا هذا، وخلال هذا العام، جاءني من قال لي إن قائمة أسماء وزارة الخارجية الاسرائيلية تضم اسم ابراهيم نصر الله فقلت على الفور، إطلاقاً، ليس صحيحاً، فهذا الرجل الوطني النزيه، لا يمكن أن يكون اسمه من بين تلك الأسماء، وإن حدث هذا فعلاً فغاية الصهاينة هي تسويد صفحته، ولأنني كنت فزعاً جداً، اتصلت بأستاذي رشاد أبو شاور وسألته، فكان رأيه جازماً بأن ابراهيم نصر الله خارج إطار هذا اللعب العدواني، وقد اتضحت الحقيقة بأن اسم ابراهيم نصر الله أنظف من الثلج... ثم إن ابراهيم نصر الله أوقف عمره كله من أجل الكتابة عن فلسطين وأهلها، ولم يخرج من دائرة الفعل الثقافي الفلسطيني حتى في نومه... مناماته أشواق لأرض الله الصغيرة... وإبراهيم نصر الله ورشة عمل (إبداع، وثقافة، وحوار، ومشاغلات الكترونية، وسفر)... هدفها الأول والختامي فلسطين وقضاياها... وشاعرية إبراهيم نصر الله ليست بحاجة إلى شهادة مني، فهو من أهم شعراء فلسطين  طُراً القدامى والمحدثين، الذاهبين والقادمين أيضاً، ورواياته مدونات للألم والحلم الفلسطينيين... وصداقاته واسعة، ومتعددة في المكان والزمان والأجيال...

الآن، وقد وضحت صورة المتحاورين د. عادل سمارة، والأديب ابراهيم نصر الله... أقول هل من الممكن،  ولو في الحلم، على أن يتهم أحدهما الآخر باللاوطنية، أو يكفره ثقافياً، أو ينعى عليه سلوكاً أو صورة؟! لا أظن، فكلاهما على درجة عالية من الاعتبار والأهمية سلوكياً وثقافياً. إذن، لماذا  وقع أخي الدكتور عادل سمارة في مطب اتهام ابراهيم نصر الله بـ (التطبيعي)، ولماذا (كفره وطنياً)، ولماذا نزل بأسلوبه (وقلمه أيضاً) وذائقته إلى حد السخرية عندما تحدث عن النساء الفلسطينيات اللواتي حضرن أمسية ابراهيم في مركز خليل السكاكيني في رام الله؟! أنا شخصياً لا أدري لماذا؟! ولا أقدر على تسويغ الأمر سوى أنه  سقطة أو كبوة لحصان ثقافي مهم اسمه عادل سمارة لأن ابراهيم نصر الله حين يدخل إلى رام الله... يدخل إليها مواطناً، وفلسطينياً، ومثقفاً، ورائداً مبدعاً، وكائناً له أشواق ضافية في صدور أهلنا في رام الله. صحيح أنه يعبر الجسر المحروس بالأذيات الصهيونية، ويمر من بين الجنود الصهاينة... لكن الصحيح أن هؤلاء فقاعات بادية، خاوية من الداخل، ووجودها فوق جسر (اللبني) أو غيره من جسور العبور... هو وجود قشري مؤقت تكفله القوة الغاشمة... ، وستمحوه الإرادة الوطنية الآتية لا ريب.

يا أخي د. عادل... لو كفّرنا إبراهيم نصر الله وطنياً لأنه دخل إلى أرضنا المباركة، عبر نقاط التفتيش الصهيوينة، نكون قد اقترفنا فعلاً شائناً يتمثل في محو تجربته، ووطنيته، كما نكون قد أيدنا عدونا الصهيوني الهادف إلى عزلنا داخل أرضنا العزيزة وخارجها في آن معاً.. يا أخي د. عادل... أهلنا في فلسطين لا يعرفون الكتّاب الفلسطينيين في المنفى... إنهم يسمعون بأسماء: فواز عيد، ويوسف الخطيب، وخالد ابو خالد، وفيصل دراج، ويوسف اليوسف، وجمال ناجي، وابراهيم نصر الله... فيظنون أنهم من الكتاب الناشئين أو الشباب، مأساة أن يقول لي أحد مثقفي أرضنا العزيزة، أرجوك عرفني بغسان كنفاني، وفواز عيد.. قلت له: لقد رحلا. قال: كيف، ومتى، ونحن لم نسمع بهما إلا في الأمس. ثم قال لي شاهقاً: حتى ادوارد سعيد ما إن سمعنا به حتى مات؟! أترى معي حجم المأساة؟ هل وقعت يدك على فداحة هذه القطيعة؟ لا أشك أنك تعي هذا وتدركه فأنت من الرموز الثقافية التي نقدرها ونحترمها، ونتطلع إلى سماع رأيها ومعرفة مواقفها... ثم ما الجريمة التي اقترفها ابراهيم نصر الله حين ذهب إلى رام الله في رحلة مسافتها ليست سوى كيلومترات، لكن أشواقها لا تحد بالمسافات، أنا شخصياً أحسده وأغبطه ثم أحسده وأغبطه لأنه رأى البلاد، ومشى في دروبها، والتقى النساء الفلسطينيات أمهات الشهداء وزوجات الشهداء، واستظل بأشجار الزيتون التي استظل بها سيدنا المسيح، ولعله شرب من ماء البلاد العزيزة... يا للهناءات الثقال. صدقني يا أخي عادل... هذا ما شغل بال ابراهيم نصر الله... الأشواق هي التي حملته، ولو أراد (التطبيع) كما قلت (لا سمح الله) لكان (طبّع) وهو بعيد جداً، فأنا أعرف، ولعلك تعرف أيضاً أن ابراهيم نصر الله دعي مرات عدة إلى حضور مهرجانات شعرية لدول (حوض البحر الأبيض المتوسط) وهي مهرجانات سنوية ولم يذهب إليها لأن دعوات مماثلة وجهت إلى شعراء من الكيان الصهيوني. ابراهيم نصر الله هو الذي تحمل أذيات الصحف الإيطالية في السنة الماضية لأنه كشف  نيات أهل (معرض تورينو) الهادفة إلى استضافة الكيان الصهيوني بمناسبة مرور ستين سنة على قيامه، هو من كان الرافعة الثقافية العربية التي أدّت إلى مقاطعة هذا المعرض، وفضح  توجهات القائمين عليه التي نسيت أن الفلسطينيين أهل نكبة وأذى عمرها أيضاً ستون سنة وسببها قيام الكيان الصهيوني... أرجوك يا أخي عادل لا تدفع أدباءنا وكتابنا إلى أحياز و مواقع لم يخلقوا لها، هؤلاء هم أجنحتنا، خلقوا كي يطيروا بها، أما الزحف نحو التطبيع، فهو وقف على الذين خلقوا كي يزحفوا... وإبراهيم نصر الله ليس من هؤلاء بالمطلق، إنه فارس يطير منذ نصوصه الأولى...

ثم إنك، يا أخي عادل، هاجمت الكبيرين ادوارد سعيد، ومحمود درويش، واتهمتهما بالتطبيع. يا رجل... الولايات المتحدة الأمريكية كانت تحسدنا نحن الفلسطينيين، هذا الشعب الصغير... لأن من أهلنا ادوارد سعيد، وتحسدنا الدنيا كلها وليست الولايات المتحدة الأمريكية وحدها... لأن محمود درويش من أهلنا. ادوارد سعيد الذي رفض كل المناصب والرتب السياسية التي عرضت عليه من قبل م. ت. ف. كي يبقى المفكر الحر من جهة، وكي يخلص  لقولته ورأيه من أنه يخدم القضية الفلسطينية، بفكره وموقعه الأكاديمي أكثر مما لو قبل بمنصب أو رتبة سياسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو وزارة... وشأن محمود درويش كان كذلك، صحيح أنه قبل بعضوية م.ت.ف. لكنه خرج منها، وانظر ملياً من سوى محمود درويش خرج منها حياً، الذين عرفوا خيراتها وامتيازاتها لم يغادروها، الذات الشعرية، والموهبة، والحرص الثقافي، والقلق الوطني. كل هذا هو من جعل محمود درويش يترك موقعه في م.ت.ف. ادوارد سعيد، ومحمود درويش... كلاهما يعد من أهم الأسماء الثقافية والإبداعية في العالم... إنهما شمسان لا يمكن تغطيتهما باتهام، كلاهما عصيان على التطبيع، وكلاهما فعل ما فعله ابراهيم نصر الله حين أرادا الدخول إلى الأرض المباركة/فلسطين... محمود درويش ومن أجل زيارة أمه احتاج إلى قرار مركزي من الحكومة الاسرائيلية، وهذا يدلل على خطورة محمود درويش الفلسطينية، فلو كان مطبعاً لزار وزار وزار من دون تصاريح وأنت تعرف أكثر مني (بألف مرة) ما أعنيه وأقصده.

يا أخي عادل، وأناديك باسمك الكبير، حالك من حالنا... نحن في عزلة، وتضييق، لا دور نشر تقبل بنشر ما نكتبه لأن مادته عن فلسطين العزيزة، لا مهرجانات لنا... لأن (كتاب المقاومة) مرفوع، غائب، محيّد، عناوين المهرجانات لا تلتفت إلى المقاومة وموضوعاتها... الجامعات لا تدرّس موضوعات الأدب المقاوم، الفضائيات لا تأتي بأحدٍ منا إلا من أجل قصف الآخر ودك مواقعه، وشرذمته، يأتون بنا من أجل اصطفافات وهمية كاذبة وخادعة.. من أجل أن نكره كباراً ومثقفين مثل يحيى يخلف، ومحمود شقير، ومحمد علي طه، وسميح القاسم، والمتوكل طه، وأحمد رفيق عوض، ولماذا؟ لأنهم داخل الوطن العزيز، وفي المنفى يريدون استعداء الساحات الثقافية العربية، ساحة الثقافة في سورية ضد من فيها في الساحة الثقافية الأردنية أو اللبنانية وهكذا دواليك... معارض الكتب لا تنقل كتبنا،  وإن نقلت، الجمارك تمنعها... النقاد لا يلتفتون إلى ما نقوله، وإلى ما نصدره، وإلى ما تذوب أرواحنا من أجل إبدائه... لأنهم يقولون بأن الكتابات الفلسطينية كتابات متحيزة (تناصر الفلسطيني وتعادي الصهيوني) تصور! البلاد سرقت، الوطن استبيح، التاريخ دمر، الجغرافية يجري تزويرها وتحويرها يومياً، ومقابر الشهداء صارت أكثر امتداداً من المدن والقرى، ودماء الشهداء لو قيض لها وصارت أنهاراً لكانت أكثر غزارة من نهر الأردن المقدس... كل هذا معروف ومدرك... ومع ذلك أهل النقد العربي يقولون عن كتاباتنا إنها (متحيزة)، وآخرون مرضى من أهل الإبداع العربي يقولون عن رواياتنا ونصوصنا القصصية إنها ضعيفة، ولا معمارية لها، لأن المكان الفلسطيني غائب... تصور يا أخي عادل يريدون عودة المكان كشرط لكتابة الرواية... أي حقد هذا، وأي عدوانية هذه؟! وأي قلة فهم لـ علم النصوص.

أعرف، يا أخي عادل، بأنك لست قناصاً على الجسر، وأنك لست عدواً، وأنك لست جهة تصدر صكوك الخيانة... كما أنني أعرف بأن أخي إبراهيم ليس مطبعاً، ولن يكون... كلاكما... من أهل ثقافتنا التي نعتز بها... وعلينا جميعاً، ورجاءً، أن نتخفف من قسوتنا تجاه بعضنا، وألا نجعل هذه الضغوط الكثيرة والشديدة التي نتعرض إليها... تفعل فعلها فينا، فينبري أحدنا لتكفير الآخر إبداعياً ووطنياً، بل على العكس تماماً علينا أن نستفيد من هذه الضغوط كي تشتد أواصر المحبة، و كي تعلو راية الوطنية... فظلها يتسع للجميع... وحسبي أن أقول لك، وأخي إبراهيم يعرف هذا، أنني لم أعرف المال الفلسطيني يوماً إن كان أحمر أو أسود.

ومع ذلك لم أشارك يوماً في اتهام أحد بما لا يحب، مع أنني أعرف الكثير الكثير، ذلك لقناعتي أنه من المبكر (فتح السجل السود) كي نحاسب الآخرين وأن نتهمهم. وأنت تعرف جيداً أن الكثير من كتابنا و أدبائنا ومثقفينا، ناهيك عن جميع حملة الوثيقة الفلسطينية، لا يدخلون البلاد العربية لعلة وحيدة هي (فلسطينيتهم)...

ما أرجوه وأنا هنا لا ألبس ثياب الكاهن، و لا عمامة الشيخ، أن نخفف الوطء قليلاً، وهذا لا يعني أن نتخفف من وطنيتنا أو حماستنا لقضايانا إطلاقاً... وإنما يعني أن نصبر على بعضنا، وأن نعذر بعضنا... كي لا نشارك الآخرين في قتل أنفسنا أو تجريمها.

أقول كل هذا، لأن المستفيد من هذه العدوانية البشعة هو المحتل، ولا أحد غيره، فالمحتل حين لا يقوى على إبراهيم نصر الله، يريد من أي أحد من الكتّاب والأدباء الفلسطينيين (أو العرب) أن يجهز عليه، والمحتل نفسه حين لا يقوى على عادل سمارة، يريد من أي أحد من الكتاب والأدباء الفلسطينيين (أو العرب) أن يجهز عليه... إن وعي هذا الأمر والعمل ضده (أي توحيد الصف الثقافي) يفسد على المحتل مخططاته وأهدافه لأنه يدرك المفاعيل العظيمة للثقافة الفلسطينية...

أخي عادل، أعرف أنني لم أناقش كل ما جاء في مقالتك، ولم أقف عند كلامك الجميل حول أهل الموسيقى (برنباوم و أمثاله) إلا من أجل أن أرى صورتي... ولم أناقشك فيما قلت عن المفكر الكبير عزمي بشارة كي لا يتشعب الموضوع. ما أردته هنا هو الحديث عنك وعن ابراهيم... و قد قرأت مقالته أيضاً... وفيها قسوة و عنف أيضاً جاء انفعالاً بما كتبت، كي أقول إن أهل الكراهية والحسد ينتظران منكما المزيد من القسوة والعنف... تماماً مثلما يريدون المزيد من التباعد و الشقاق والتنافر بين أهل الحوار السياسي... كي يظل التحارب وجهاً شائهاً لنا... لا يرى الآخرون سواه.





كلمات دلالية: 
ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك الألكتروني لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2020
top