2017- 09 - 21   |   بحث في الموقع  
logo رسائل مشفرة إلى التيارين "الأزرق" و"البرتقالي"! logo جلسة المجلس الدستوري أمس.. كانت عاصفة logo هل أراد جنبلاط تمرير رسالة الى "الوطني الحر"؟ logo خطوات مميّزة تُكسب المراهقين حسّ المسؤولية logo "صحة جدة" تدشن مشروع ربط مراكز الأدوية بـ"لا سلكي" logo تيلرسون وظريف يلتقيان للمرة الاولى خلال اجتماع لاطراف الاتفاق النووي logo راخوي يطلب من دعاة استقلال كاتالونيا العمل على وقف التصعيد logo الصحافة اليوم 21/9/2017 لبنان يرد على ترامب ومصير السلسلة!
وحدة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس خطّ أحمر لا يسوغ تجاوزه
2017-07-17 16:06:36



بقلم جورج عبيد -
 

مسألة وحدة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس ضمن الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكية غير مطروحة للنقاش بإمامة بطريركها يوحنا العاشر يازجي. لم يحصل مرّة أن تمّ التمييز بين مطارنة لبنانيين وآخرين سوريين، لم يحصل مرّة في تاريخ الكرسيّ الأنطا�يّ أن تداخلت القوميات المتنافرة إلى حاضرته ، أو صار جزءًا من نظام ما كان يسمّيه الكاتب أمين معلوف "الهويات القاتلة" إلاّ مرّة واحدة وبسعي أجنبيّ بهدف ضرب الهوية القوميّة للكنيسة الأرثوذكسيّة، وهذا ما يأباه الأدب الرعائيّ، فلاهوتنا واحد ورؤيتنا واحدة وهويتنا واحدة، وليس من انفصال أو تمييز.



لا بد من التذكير، بأن أول بطريرك عربيّ للكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس كان ملاتيوس الدوماني الدمشقيّ، فالكرسيّ كان رازحًا تحت سيطرة اليونانيين كما هو واقع كرسيّ أورشليم الآن، لقد تمّ تعريب الكرسيّ بواسطته سنة 1898، لتنطلق القافلة فجاء غريغوريوس الرابع حداد من بعده بطريركًا عربيًّا ثانيًا وهو من بلدة عبيه قضاء عاليه، لبنان، وبعده البطريرك أكسندروس طحان المولود في دمشق، وقد جاء انتخابه تعبيرًا عن حالة استقلال بوجه الانتداب الفرنسيّ، وقد كان قبل ذلك مطرانًا على أبرشيّة طرابلس، ليليه ثيودوسيوس السادس أبو رجيلي اللبنانيّ وهو من بلدة بحمدون قضاء عاليه، ليخلفه الياس الرابع معوّض اللبنانيّ من بلدة أرصون قضاء بعبدا، وقد كان مطرانًا على حلب، وبعد وفاته خلفه إغناطيوس الرابع هزيم من بلدة محردة من محافظة حماه في سوريا، ومن ثمّ يوحنّا العاشر يازجي من بلدة مرمريتا في وادي النصارى سوريا والمولود في اللاذقية.



ليس السرد هنا سوى للتدليل بأنّ انتخاب البطاركة على كرسيّ أنطاكية وسائر المشرق، لم يلحظ الناحية القومية ما خلا المحطات التي اشتدّ فيا النضال بوجه استئثار اليونانيين في مرحلة من المراحل، وبوجه العثمانيين والفرنسيين، هنا دخلت الكنيسة في الحيّز القوميّ للتأكيد والتدليل على أنّ لنا هويّة واحدة وحاضنة وجامعة على المستوى القوميّ والوطنيّ. في المقابل أيضًا برز مطارنة سوريون على أبرشيات لبنانية مثلما برز مطارنة لبنانيون على أبرشيات سوريّة، وللأمانة التاريخيّة لم يعش الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس منطق الصراع على الهويات إلاّ حين تدخّل الانتداب الفرنسيّ وحاولوا أخذ الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس نحو انقسام عموديّ كبير في لحظة انتخاب البطريرك ألكسندروس طحان وخلال عهده بالعزف على وتر التفريق بين الأبرشيات اللبنانيّة مركزها بيروت، والأبرشيات السوريّة مركزها دمشق. وبفعل ذلك دخلت الكنيسة الأرثوذكسيّة أزمة بنيويّة خطيرة كادت أن تمزّقها، بعدما استوت أصابع الآخرين كمثل خنجر عامد على تقطيع أوصالها.



هل التاريخ اليوم داخل الكنيسة يعيد نفسه؟ هذا سؤال عاد ليطرح للنقاش، في لحظة جديدة تتكوّن في المنطقة، وتعود الأصابع الأخرويّة والخارجيّة لتعبث في العمق الكنسيّ الأنطاكيّ. السؤال نفسه يتكوّن من موجة يتراكم أثيرها شيئًا فشيئًا ويعلو هذيذها رويدًا، ليصبّ في اتهام يوجّه إلى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق يوحنّا العاشر، يبوح محتواه بأنّه يحاول "سورنة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدس" من خلال تعيين أساقفة وأرشمندريتيّة من أصل سوريّ في مواقع عديدة أو هم مهيّأون لمواقع عديدة. والملاحظ بأنّ الصوت بدأ يعلو ويستند إلى مجموعة معطيات تستغلّ عناوين عديدة لضرب وحدة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس موجّهة سهامها إلى البطريرك عينه بقيادة الكنيسة نحو هذه المحطة والصفة ومؤلّبة الناس والرأي العام ضدّه.



تلك الأزمة المتدليّة والمتسلّلة إلى جوف الكنيسة والمتحرّكة فيها، متولدّة من ثلاث زوايا:
-الزاوية الأولى سياسيّة بامتياز، وهي تستغلّ مواقف البطريرك يوحنّا من الحرب في سوريا وعليها، فمن نوافل الكلام اعتبار خطف شقيقه المطران بولس يازجي والمطران يوحنّا إبراهيم المقدّمة الفعليّة والخطيرة لخطف الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس ورميه في بواد قصيّة. وقد اتضح ومن دون أيّ التباس بأنّ البطريرك يوحنّا لم يتوانَ على الرغم من هذا الجرح من الدفاع المستميت عن هوية سوريا ولبنان، وهويّة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس، وهو العارف بأن الحرب لا ترتبط بجانب واحد بل بإسقاط سوريا والعراق ككيانين ثابتين، فمتى ضربا وفتّتا سهلت بعثرة لبنان، وتمزّقت الهويّة ومعها الوحدة، وسهل تشتيت الكنيسة الأرثوذكسيّة كآخر معقل جوهريّ وتكوينيّ للمسيحيّة المشرقيّة، وهي رافد من روافد العروبة البيضاء. فلا يستغربنّ أحد أن تكون الموجة هذه في آفاقها السياسيّة صدى لذلك التاريخ ومدى لانبثاثه في الحاضر. إصطفاف تلك اللغة حركة جديدة تحاول تمزيق الكرسيّ المقدّس بين لبنان وسوريا. وأزمة قطر كما ما سمي بأزمة الجامعة الأرثوذكسيّة في بيروت يصبّان في هذه الرؤية المتداعية.



-الزاوية الثانية كنائسيّة وتعود إلى عدم مشاركة الكنيسة الأرثوذكسيّة في المجمع الأرثوذكسي العام في كريت. لقد بررت الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكية عدم مشاركتها في هذا المجمع بسبب عدم حلّ الأزمة بين كنيسة أنطاكية وكنيسة أورشليم بسبب مسألة قطر، فضلاً عن مسائل خطيرة تتلخّص بهيكليّة هذا المجمع وإدارته. وتقول بعض المعلومات بأنّ ثمّة تحفيزًا قد هبط نحو الأرض الأنطاكية متكاملاً بدوره مع الزاوية الأولى المشار إليها لتأليب الناس على البطريرك ضمن إطار اتهامه بأنه يقود الكنيسة الأرثوذكسيّة نحو السورنة مستغلاًّ عدم وجود عدد كبير من الأرشمندريتيّة اللبنانيين، وهذا أخطر ما يساق في السياق الكنسيّ على المستوى الرعائيّ في الظرف الحاليّ، فيما البطريرك يتجه نحو التوازن الموضوعيّ وهو ضنين به، وتؤكّد أوساط قريبة منه بأنّ لا أحد يقدر على المسّ بوحدة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدس على الإطلاق.



-الزاوية الثالثة تختصر بواقع ما سمي بأزمة الجامعة في بيروت. ليست تلك الأزمة أكاديميّة ورعائيّة على الإطلاق، فمشتلها سياسيّ أو استدخلت بصورة مباشرة في الأمداء السياسيّة، لتعبّر عن روحيّة واضحة مستكملة لرؤى توثّبت في لحظة في طرفة عين، وتماهت مع وقائع ضمن واقع حاول فرض نفسه بقوالب سياسيّة معروفة، تحتجب بعناوين شتى ومختلفة. ليس لهذه العجالة أن تغوض تفصيليًّا في تلك العناوين وتشرّحها ومن ثم تشرحها، همها أن تظهر بأن عنوان الجامعة بصورة عامّة حمّل أكثر مما يحمل وشحن بعبارات قاسية فيما يفترض أن يقف عند سؤال واحد هل تحتمل الكنيسة الأرثوذكسيّة جامعات غير جامعة البلمند سواءً في لبنان أو سوريا؟



لا شكّ بأن إنشاء جامعة في بيروت سيخلق نوعًا من مافسة حادّة تقود إلى إفراغ جامعة البلمند من المضمون الذي شاءه لها المثلّث الرحمات البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم. لقد شدّد مؤسس هذه الجامعة غير مرّة على معنى الجامعة في لبنان، على رأس تلّة البلمند في الكورة، وقد تفرّعت إلى سوق الغرب وبينو وبيروت وثمة تحفيز على إنشاء فرع لها في وادي النصارى في سوريا فيما تأسّس فرع لها في دبيّ. ومن أقوال البطريرك إغناطيوس في دير القديس جاورجيوس الحميراء في المشتاية وادي النصارى، لقد أسسنا لتلك الجامعة لأننا نؤمن بأن الحجر في أنطاكية ينطق بهوبتنا وهي وجهنا. فهل إنشاء جامعة أرثوذكسيّة في بيروت سيحمل المضمون عينه ويحويه كأساس جوهريّ، أو ستكون الكنيسة الأرثوذكسيّة أمام مضمون مختلف تسوقه الخطوطه السياسيّة إلى ذلك التاريخ في محطات التغييرات الجيو-استراتيجيّات المتداخلة في عمق المشرق؟ هذا سؤال في حقيقته قابل للنقاش الجديّ بكلّ أبعاده وتشعباته.



كلّ هذه العناوين تقلق البطريرك يوحنّا العاشر، فهو رمز وحدة أنطاكية وحافظ تراثها والأمين على ديمومته وسطوعه. فيما ترتج الكنيسة بأزمات عديدة، منها الشغور المقيت في الأبرشيات، ويتبيّن بنتيجة كلّ ذلك بأنّ تعميم المشاركة في الكنيسة كحالة شركويّة بات وسيلة جوهريّة للنقاش الهادئ في كلّ هذه المسائل بلا آحاديات أو استفراد من أحد لأحد. يشعر البطريرك وكما يظهر من خلال أوساطه بهذه الخطورة، على كنيسة أنطاكية، وهو دائب على معالجتها بالحوار ومدّ اليد للجميع من دون استثناءات. فكنيسة أنطاكية يفترض ان تستمر وتبقى جسد المسيح الحي والمتحرك في هذا المشرق بوحدة الرعاية فيه.



المطارنة سواء كانوا سوريين أو لبنانيين هم شركاء في هذا الكرسيّ، والبطريرك سيتعاطى مع هذه القضيّة بتوازن وحرص وفهم دقيق للخصوصيات، وفي الوقت عينه، يجدر الاعتراف بأنّ تسلل تلك النغمة يصبّ في القضاء على المسيحية المشرقيّة بكلّ أبعادها وهذا خطّ احمر لن يسمح بتجاوزه.
وكخلاصة إن موقف رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون أنقذ الكنيسة من انقسام متربص بها. والحملة عليه تصبّ في سياق استهدافه ليس كرئيس للجمهوريّة فقط بل كزعيم مشرقيّ الإحساس والهوى والانتماء، وهو مدرك بأنّ أيّ انقسام في بنية الكنيسة الأرثوذكسيّة المشرقيّة يقودها كما يقود المسيحية نحو المزيد من الانقسام ومن ثمّ الزوال، في حين أنها الصخرة وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.




التيار الوطني الحر



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INNLEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2017
top