2021- 09 - 27   |   بحث في الموقع  
logo سوريا في قلب التحولات الإقليمية logo أبرز العناوين التي تصدّرت صفحات الصحف logo ماذا في أسرار الصحف الصادرة اليوم؟ logo هذا ما دوّنته “البناء” في سطور افتتاحيتها logo مانشيت النهار: تعويل على دور أساسيّ لفرنسا على صعيد مواكبة سير الإجراءات الاصلاحية logo افتتاحية الأنباء: لا مساعدات من دون إصلاحات.. الكهرباء بند أساسي والبطاقة التمويلية إلى مزيد من الدرس logo هل تُسهّل السلطة السياسية المهمة الحكومية.. لترجمة الدعم الدولي؟… غسان ريفي logo سجال الإستحقاق النيابي وقانونه: جدّي أم لتأجيل الإنتخابات؟… عبد الكافي الصمد
فنانو 4 آب الذين فاتتهم "بيروتشيما"
2021-08-03 12:25:55

من النافل القول أن يوم 4 آب 2020، شكّل لحظة مفصلية في تاريخ لبنان المعاصر. هذه الإستنتاج يُعتبر بديهياً، وليس في حاجة إلى أخذ ورد، نظراً لثقل الواقعة المفرط. الإنفجار- الحدث الذي هزّ النفوس، بعدما هزّ المباني وحوّلها حطاماً، لن تختفي آثاره بسهولة، خصوصاً لأن الغموض ما زال يلّف تفاصيله، وأسبابه عرضة لتأويلات مختلفة، من دون جواب قاطع على أسئلة أساسية يطرحها ذوو الضحايا أكثر من سواهم. كان من الممكن أن يمر الحدث في شكل مغاير، ويطلق صدى مختلفاً، لو أن الراحلين الكثر كانوا سقطوا بفعل قنبلة جائرة في حرب معلنة، بحيث يصبح ما يُنتج منها، ممكناً ومتوقعاً. كان الحدث مفاجئاً، والمفاجأة جاءت كصخرة سقطت على رؤوس الجميع.
خطرت في بالنا، كما في الكثيرين، هيروشيما وناكازاكي، وأقام بعضهم مقارنة، ولو نسبية، بين القنابل النووية التي أحرقت مدينتين، ودخل استعمالهما التاريخ كأحد أبشع الإنجازات التي إرتكبت بإسم الحرب، والإنفجار اللانووي الأكبر، والذي دمّر جزءاً من بيروت، وولج إلى الذاكرة اللبنانية كجريمة موصوفة يتهرّب من مسؤوليتها سياسيون ومسؤولون من مختلف المستويات.وإذا أردنا، من حيث الأساس، أن نتتبع الأثر الذي تركه يوم 4 آب في الفن التشكيلي، فلم يكن في إمكاننا إلاّ أن نعرّج، ومن أجل المقارنة أيضاً، على بعض ما خلّفه الإنفجار النووي المذكور لدى العاملين في مجال التشكيل. استرعى إنتباهنا ردّ فعل كيجي ناكازاوا، الكاتب والرسّام الياباني المولود في هيروشيما، الذي ترك عملاً كاملاً، يتضمّن رسوماً ونصوصاً، تحت مسمّى Gen d"Hiroshima، ومما ورد فيه: "وهناك، نحن الشباب، نحن الذين أمامنا المستقبل، يجب أن نموت!"، وأيضاً: "لا، أنا لا أريد أن أرى عظامهم، أنا أعلم أنهم أموات، ولكن.. سأداوم على ظنّي أنهم أحياء". والأهم، أنه يكتب: "يجب على جميع الفنانين أن يكونوا نشيطين في التعامل مع مشاكل عصرنا. إذا كان الفنان غاضبًا من حدث ما في مكان ما في العالم، فعليه التحدث عنه في عمله". واسترعت إنتباهنا، من ناحية أخرى، أعمال الفنان الإيطالي ماورو بوردين (مواليد 1970)، المكرّسة للمناسبة ذاتها، ولو بعد زمن مديد على حدوث الواقعة النووية. إيف كلاين، الفنان الفرنسي الباحث دائماً عن اللامادي واللانهائي، أفرد بدوره لوحة كبيرة مكرّسة لضحايا هيروشيما، مونوكرومية الهويّة، تنتمي لمرحلته الزرقاء، وبالرغم من ضبابيتها المادية، فهي تمثل إشارة مجازية للحظة الأبوكاليبتية. لم يجلس الفنانون اللبنانيون، أو على الأقل العديد منهم، مكتوفي الأيدي حيال الحدث. وكما هي العادة، تعامل كل منهم معه على طريقته، وبحسب أسلوبه ورؤيته الذاتية. لم تأتِ الأعمال كلّها على المستوى نفسه، ويعود السبب إلى أن البعض شاء أن "يدلي بدلوه" في معالجة الموضوع من دون أن يمتلك الرؤيا، أو الأدوات اللازمة، فجاءت أعمال هؤلاء إنعكاساً مباشراً للمجزرة، من دون بلوغ الناحية التعبيرية في مفاهيمها الأعمق. وإذا كانت هذه المباشرة، كما الطابع البديهي مطلوبين في ظروف مماثلة، لكن النتيجة حادت، في بعض الأحيان، عن الإحترافية لتقع في مطب التبسيط والتسطيح والسذاجة.في "طفولة إيفان"، أول أفلام المخرج الروسي – السوفياتي، أندريه تاركوفسكي، الذي يُعدّ أحد أبرز سينمائيي الربع الأخير من القرن المنصرم، نرى الحرب الكونية الثانية، التي طاولت الإتحاد السوفياتي وأودت بعشرين مليوناً من سكانه، من خلال عيني طفل، عبر تعاطيه البريء مع حرب غيّرت مجرى حياته، من دون أن يفقه أبعادها. لم نسمع في الشريط السينمائي طلقة بندقية، أو صوت انفجار قذيفة. في أعمال لبنانية كثيرة حاوَلَت استحضار اللحظة المأسوية لمساء 4 آب، كان لا بد للصانع، أو الصانعين، من دمغ العمل بصورة الإنفجار نفسه. الإنفجار الرهيب، مع ما وّلده من نار ودخان، وشظايا متطايرة، وبيوت مهدّمة أو متصدّعة، تصبح عندها مفردات تشكيلية قائمة في ذاتها، ولا مفر منها، بحسب بعض وجهات النظر، من أجل منح المنتج بُعدَه الدرامي المفترض. في هذا المجال، تصبح إهراءات القمح، التي صمد جزء منها بأعجوبة تعود إلى متانة بنيانها، مفردة خاصة. هذه الإهراءات، التي تحوّلت رمزاً، تصلح في حد ذاتها، وبمعزل عن محيطها، عنصراً تأسيسياً مكتمل الجهوزية لمختلف الإختبارات التقنيّة، يرفد إمكان تحقيقها ما يوحيه ذاك الإسمنت "المشلّع"، وتلك التجاويف المخيفة، القائمة على نحو لا يمكن أن تنتجه سوى كارثة. موضوع تشكيلي شيّق، قد يذكّرنا بأعمال جيوفاني باتيستا بيرانيز من الكلاسيكيين، التي صوّر فيها أطلالاً، أو بلوحات الكَنَدي بنت (Bent) من المعاصرين.لكن التعاطي مع هذه العناصر يتطلّب معرفة، أو جملة من المعارف والمعطيات التأليفية من جهة، والتقنية من جهة أخرى. هذه الشروط كانت استوفتها أعمال فنانين لبنانيين محترفين من ذوي الخبرة، وغاب بعضها، وربما كلّها، عن لوحات رسّامين آخرين. غزارة العناصر التي قد تُحشد في العمل الفني لا تكون دائماً لمصلحته، إلاً إذا جاءت ضمن منحى مدروس يؤدي إلى بلاغة في النص، ومتانة في بنية العمل. لا شك أن هذا الحكم، من حيث كلماته، ينسحب، ليس على الفنون التشكيلية فحسب، بل أيضاً على الأدب والفنون الأخرى.في هذا السياق، نرانا مجبرين على التطرّق إلى العمل الذي أنجزه نديم كرم مؤخراً، الذي تصاعد الحديث عنه في وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وهو عبارة عن نصب في ساحة الواقعة، تحت مسمّى "مارد من رماد". لم نرَ سوى صورة النصب، ولا نستطيع، من حيث المبدأ والأمانة، أن نحكم على عمل لم نرَه بأمّ العين، وهو ما قام به كثيرون، وجاءت آراء معظمهم سلبية تجاهه. هذا الأمر في حاجة إلى مقاربة خاصة قد نقوم بها لاحقاً، لكننا نعتبر، ولو من ناحية أقرب إلى "الشعر"، أن أبلغ نصب يشير إلى المجزرة هي تلك الإهراءات الأشبه بمنحوتة لاتمثيلية، صَنَعها مَن تسبب في هذا الإنفجار، ما يشكّل إدانة واضحة لمن لن يذكرهم التاريخ إلاّ بأبشع الصفات.


وكالات



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2021
top