2021- 10 - 27   |   بحث في الموقع  
logo مريم البسام لقرداحي: لا تعتذر عما قلت logo الخضراوات اللبنانية ملوّثة وتُمنَع من التصدير.. والبداية من قطر! logo القرداحي يورّط لبنان بأزمة ديبلوماسية مع الخليج.. ولا يعتذر logo ميقاتي ترأس سلسلة اجتماعات في السراي الكبير logo أخبار سارة للبنانيين بعد الاجتماع الاول للجنة المؤشر للنظر في معالجة الرواتب.. هذا ما كشفه وزير العمل logo ميقاتي ببعبدا للتبرؤ من كلام قرداحي.. وتدبير التئام الحكومة logo معراب تطوّق نفسها: لا عودة إلى غدراس 1994 logo قرصنة إسرائيلية تكشف عائلات حزب الله وشبكاتها الفنزويلية
"نظام جديد" لميشيل لفرانكو.. العدمية الكاملة
2021-09-22 11:55:58

في أحد مشاهد فيلم "نظام جديد"(*) للمخرج المكسيكي ميشيل فرانكو، يقوم ضابط عسكري بإدخال عصا مكهربة في دبر أحد المخطوفين داخل معسكر تعذيب شبه حكومي. هذا المشهد مثالي لبيان العلاقة بين الفيلم والمُشاهد، أو بالتحديد ما يريده الفيلم لمشاهده. الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي في دورته قبل الأخيرة، يعمل تماماً مثل هذه العصا المكهربة، وما المخطوف إلا مُشاهد الفيلم الذي لن ينعم بالراحة طيلة فرجته. يداوم فرانكو على تصعيد الرعب، يقذفه في وجه المُشاهد بحيث لا يترك له فرصة التفكير في معناه، بل في حالة من الصدمة. السينما ليست غريبة عن العنف المرتكب بحق عضو الرؤية، سواء بالمعنى الحرفي للكلمة، كما في المشهد الشهير لـ"كلب أندلسي" للوي بونويل، أو مجازياً، كما في ساعتين من الفظاعة يمثّلهما "سالو" لبازوليني. ولكن كان ثمة وجاهة في كلاسيكية بونويل، لتحذير المشاهد من نوع الصدمات التي سيستغني عنها عمله اللاحق. بازوليني، بدوره، أظهر قائمة التعذيب والإهانات التي عرَّض لها عدد من القادة الفاشيين مجموعة من الشباب، من مسافة تسمح بوضع إحدى القدمين بالخارج والأخرى بالداخل. فرانكو يراكم ويراكم، مفترضاً أن يثير ردّة فعل. لكن في الحقيقة ما يحققه هو تأثير مخدر، نتاج تجانس الرعب الذي يجلبه.يُدعى المجتمع الراقي إلى حفلة زفاف في أفضل الأحياء في مكسيكو سيتي: في الداخل، يتغازل ويمرح حشد من الأثرياء، تُسلّم هدايا، وتُناقش أعمال ومقاولات. في الخارج، يقف السائقون بجانب سيارات رياضية باهظة الثمن وسيارات الدفع الرباعي. إحداها يشوهّها طلاء أخضر طالها في طريقها إلى الحفل، وفجأة يبدأ صنبور الماء بإنزال سائل أخضر. تلمّح رمزية اللون هذه إلى الدوافع الأساسية التي ستنهي الزفاف في حمامّ دم وحسد وجشع. سرعان ما تندلع الفوضى في حفل زفاف الأثرياء الجدد. المقتحمون حشد من المتمردين، بلا تعريف أو هوية، ويتصرّفون وفق تلك المجهولية. يطلقون النار، ويختطفون، ويقتلون. ينضم إليهم عمّال المنزل، من حرّاس وسائقين وخادمات غرف ونادلات وطهاة، بغضب أعمى لكن منظّم؛ يفضّون الخزائن وصناديق المجوهرات أثناء إطلاق النار على "الأثرياء الأوغاد" وأي شخص آخر يتعثّرون به.
العروس ماريان (نيان غونزاليس نورفيند)، بزيّها الأحمر الكامل، نجت من حمامّ الدم لأنها تركت حفل زفافها قبل وقت قصير من وقوع الكارثة، من أجل الذهاب إلى منزل أحد عمّال منزلها السابقين يحتاج مالاً لعملية جراحية عاجلة لزوجته المريضة، وذلك بعد خذلان أسرتها له. في رحلتها نحو وسط المدينة، والتي تشكّل الجوهر السردي للفيلم، تتعرض الفتاة للاعتداء من قبل المتظاهرين الذين نهبوا المدينة وخربّوها وكتبوا على جدرانها عبارات مناهضة للأثرياء. في السماء يمكن سماع طائرات هليكوبتر لقوات الأمن تحلّق في سماء المنطقة. دورية للجيش "تحرّر" الفتاة، لكنهم مجرد نسخة من مثيري الشغب يرتدون الزي الرسمي، أكثر تنظيماً ومنهجية وإرهاباً.الدمار الناجم عن احتفال الطبقة العليا يبدو للوهلة الأولى كتصعيد للصراع الطبقي أو خطوة دامية نحو تحقيق عدالة توزيع الثروة في مجتمع يعاني تفاوتاً طبقياً وفساداً رسمياً هائلين. بعبارة أخرى، قد يبدو كما لو أن "نظام جديد" يبدأ من الناحية التحليلية أو الأسلوبية حيث توقفت نهاية "طفيلي" (2019، بونغ جون-هو). لكن فرانكو لا يهتم بالاختلافات الدقيقة، ويركّز أكثر على التصعيد والعدمية. الثورة لا تنتهي بالرعب فحسب، فالأبرياء دائماً يعانون أكبر التداعيات، والطبقة العليا سريعاً ما تعود لمنطقتها الدافئة والآمنة. في النهاية، تعود المياه لمجاريها، لكنها أسوأ بكثير.بعد أعمال الشغب، سرعان ما يتأسس نظام عسكري متشدد، أصوله غامضة مثل توجّهه السياسي. يبدو أن الأثرياء قادرون على العيش دون مضايقة من الإرهاب، بينما تتعرض الأحياء الفقيرة لحظر التجول والعنف وإطلاق النار التعسفي. في نفس الوقت، حشد كبير من "الأوغاد الأثرياء"، بما في ذلك ماريان الطيّبة الخيّرة، تم احتجازهم وتعذيبهم لينتهي الأمر بقتلهم بعد تسلُّم فدية تحريرهم من ذويهم. التعذيب النفسي والجسدي وكذلك الجنسي يأتي في مشاهد قاسية ومطوّلة، مصوّرة وفقاً لمبدأ التمهيد الحثيث والنتيجة المحبطة، ما يجعل الفيلم يبدو مثل تاريخ بشري للكارثة، دون عناية بسياق التغيّرات المحيطة بهؤلاء البشر. قلب الفيلم للثورة على الأغنياء إلى نظام عسكري وحشي، لا يطلق أي أسئلة سياسية-اقتصادية، ونتيجة لذلك يستنفد الفيلم نفسه في مشهدية الإرهاب. يفكر المرء في فيلم فاسبيندر "الجيل الثالث" (1979)، حيث يعمل ثوارٌ بلا هدف ضد أنفسهم بعدما أمكن استخدامهم لتحقيق مصالح رأسمالية ملموسة للغاية. "نظام جديد" لا يتبنى موقفاً تحليلياً مشابهاً.
تجد الهواجس المختلفة ومستويات العنف المتزايدة لأفلام ميشيل فرانكو السابقة نوعاً من الذروة - أو تحولاً نحو قضايا سياسية أكثر مباشرة - في "نظام جديد"، إذ يأخذ رؤيته الوحشية والسوداء للعالم إلى مستويات أكثر تطرفاً من كل ما سبقها. بطريقة ما، فإن هذا التوسع في العنف يجعله أكثر انتشاراً وتقليدية: الثورات والانقلابات العسكرية وحالات الحرب الأهلية تفسح المجال بشكل اعتيادي لتجاوزات القسوة والوحشية التي تسكن أفلام المخرج. وهذا هو السبب في أن الفيلم ربما يكون أقل صدمة مما كان متوقعاً، رغم احتفاظه لنفسه بإثارة الجدل والنقاش.كما أوضحت أفلامه السابقة (هذا هو السادس)، يعتقد فرانكو أن العالم جحيم وأن لا مكان لأصحاب القلوب الضعيفة والطيّبة. وتتمثل مهمّته لتأكيد تلك الفرضية في إغراق مشاهدي الطبقة الوسطى المحتمين بصَدَفتهم في هذا الجحيم، لاختباره وتجربته. في فيلمه الأول "دانييل و آنّا" (2009)، تقوم مجموعة من تجَّار ومستعبدي البشر باختطاف شقيقين وإجبارهما على ممارسة الجنس من أجل تصويرهما في فيلم إباحي. في فيلمه "بعد لوسيا" (2012)، تُغتصب طالبة من قبل العديد من أقرانها، وينتقم الأبّ لابنته بيده وعلى طريقته. في فيلم "من العيون" (2013) تلجأ الأمّ إلى إجراء متطرّف لزرع زوج عيون لابنها بعدما حرمته منه البيروقراطية الحكومية. عدمية تامّة وشاملة: متمردو "نظام جديد" قطيعٌ بلا قيادة أو توجيه، ومستعدون لتحطيم كل شيء؛ وقوات الأمن أسوأ ألف مرة. الأغنياء لاإنسانيون والفقراء لصوص والعسكر أسوأ من الجميع. عالم بلا روح يُعاقب فيه أي بادرة إنسانية أو تضامن بأسوأ طريقة ممكنة. لا يمكن تصوُّر "فيلم سياسي" غير سياسي أكثر غرابة من هذا الفيلم.(*) يُعرض حالياً في منصة "موبي"، كما يعرض في صالات السينما الإنكليزية.


وكالات



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2021
top