2022- 05 - 22   |   بحث في الموقع  
logo هل وصل ″جدري القرود″ فعلاً إلى لبنان؟ logo بالفيديو: انخفاض.. هكذا أصبح معدّل الأعمار في البرلمان الجديد! logo رسائل بارزة من أرسلان.. هذا ما أعلنه أمام كوادر حزبه logo معلومة جديدة عن ″بطاقات التشريج″! logo تشييع الشاب محمد الذي قتل باطلاق نار.. هذا ما اعلنته عائلته! logo السلاح والزواج المدني..كخدعة انتخابية فاضحة logo المناورات الاسرائيلية تواجه حصاراً بحرياً يفرضه "حزب الله" logo سميرة أحمد.. تُطلق صالونها الثقافي
خيال السروال
2022-01-28 18:55:56

عندما صدر كتاب "الحياة السرية للملابس الداخلية السورية: الحميمية والتصميم"، لمؤلفتيه مالو هالاسا ورنا سلام، في العام 2008، نال ضجة واهتماماً كبيرين، في الإعلام الغربي والعربي على حد سواء. وسبب الحفاوة والاستهجان معاً، على الأرجح، ليس أن أحداً لم يكتشف من قبل السوق المزدهرة للانجيري الإيروتيكي محلي الصنع في دمشق، بل وفي أحد أكثر أسواق المدينة شعبية وارتياداً من قبل الفئة الاجتماعية الأكثر مُحافظةً اجتماعياً ودينياً. فالسوق هذه، قديمة، ترتادها النساء منذ أجيال، وهي التمظهر الإنتاجي الحديث لصناديق "الجهاز" التي لطالما خرجت في قوافل العرائس إلى دُور أزواجهن، وغالباً ما كانت تحتوي على بذلة رقص شرقي، تُظهر أكثر مما تستر، لعينَي الزوج وحده، وهي نفسها البذلة التي تشكل وصمةً وعاراً على من ترتديها لتحترف الرقص أمام غرباء. ثم تطورت التقاليد إلى صناعة، وابتُكرت سراويل داخلية بنكهات العسل والشوكولاتة، ومنها ما زُيّن بالريش والعصافير، أو صمّم لينفك ويقع بكبسة زر في ريموت كونترول أو حتى بمجرد التصفيق.عصافير الحميدية (غيتي)إيلاء المجتمعات العربية والإسلامية، الجنس وفانتازامته، اهتماماً خاصاً، بموازاة فرض الحجاب على المرأة، ليس فكرة مغمورة، بل ترفدها عشرات التعاليم الدينية والأحاديث النبوية التي تعترف بالرضى الجنسي وتحض على إتمامه وتعاقب من يقصّر فيه، طالما أنه محمي بخصوصية الأبواب المغلقة ومكلل بمؤسسة الزواج وشَرعها بحسب المذاهب المختلفة. غير أن القفزة التي أتاها الكتاب، بطباعته الأنيقة وصُوره الملونة وسرديات مُقابلاتِه، تُشابه، إلى حد ما، الكتب والدراسات الحديثة التي أعادت نبش المحتوى ذي الأريحية الجنسية والمثلية في أدبيات التراث العربي والإسلامي بعدما غمرته غلالات ورقابة الثقافة الرسمية الدينية والثقافية التي قيّضت لها الهيمنة بعد قرون. هي قفزة أخذ الموضوع إلى حيز علني مختلف عن علانية السوق نفسها، حيث العلاقة بين الزبائن/الزبونات وبين التجار تبقى أيضاً محكومة بيافطة المتعة "الحلال"، والتسامح المهني والعملي مع كون الباعة في الغالب رجالاً. بل إن الكتمان كذلك مُصان في تلك العلاقة، بمعنى أن المكان لا يقدم نفسه مساحة للتلصص والإثارة العمومية المجانية، بقدر ما أن دينامياته المعلنة هو كونه متجراً عائلياً كبيراً متخصصاً في خدمة المخدع الزوجي، مثلما يخدم متجر آخر المطبخ أو غرف الأطفال.والعلانية التي خاضها كتاب هالاسا وسلام (الذي لم يُترجم حتى الآن رغم كتابات كثيرة عنه بالعربية وبعضها منقول عن الإعلام الغربي) هي علانية الدراسة السوسيولوجية، الشرح والتفكيك الجندري والجنساني، أي الفرجة المغايرة، من خارج روابط "تاجر-زبونة جدية-زوج". وهذا ما تدركه، مثلاً، قنوات تلفزيونية من قبيل "فاشن تي في"، والتي تجدول بث عروض الأزياء الخاصة باللانجيري في وقت متأخر من الليل، على غرار القنوات التي تعرض أفلام "18+". وهو بالضبط الفرق بين الألبسة الداخلية الجديدة، التي لا صاحبات لها (بعد)، والمعروضة في واجهات المحلات وعلى نواصي الأرصفة في معظم المدن العربية، وبين تلك التي تخرج من الفترينات إلى أدراج الاقتناء والخاص.سراويل بكل النكهات (غيتي)ولذلك بالضبط، تعلّم الأمهات الشرقيات، بناتهن، نشر الغسيل بتعليق الملابس الداخلية على الحبال الخلفية المحجوبة، التي لا تصلها أنظار الجيران. فمن المعيب أن يرى الغرباء (بل وحتى الشقيق أو الأب من الأسرة نفسها) ما يرتدينه تحت ثيابهن، فيكاد ذلك يوازي رؤية ما تتلبسه تلك السراويل والحمّالات من أجساد صاحباتها. بالأحرى، إن رؤية الملابس الداخلية المُقتناة أو الملبوسة، ولو حتى على مَنشَر غسيل، توقظ خيالاً محدداً، محوره أجساد ووجوه محددة لبنات معروفات بالأسماء والملامح، وهذا مُساوٍ للانكشاف الفعلي.لعل هذا هو السبب الحقيقي للضجة التي أثارها مشهد منى زكي، في فيلم "أصحاب ولا أعز"، حينما خلعت سروالها الداخلي وخبأته في حقيبتها. فرغم أن الكاميرا، في تلك اللحظة، لم تكن تصوّر سوى الجزء العلوي من جسد الممثلة، ورغم أنها، طوال الفيلم كانت ترتدي فستاناً غاية في الحشمة، إلا أننا، كجمهور متلصص، بتنا نعرف أنها خرجت للعشاء مع أصدقاء، أي إلى حيز عام، من دون سروالها الدانتيل الأسود الصغير. وأكثر من ذلك، نعرف أنها خلعته تلبيةً لخيال لا يرتبط بزوجها، بل بغريب تحادثه في فايسبوك. ولا يشفع لهذه المرأة أنها لم تلتقِ صديقها الافتراضي أبداً، وعلاقتها به لم تتجاوز الدردشة الالكترونية بلا صوت ولا صورة. وكما أن انكشاف تلك العلاقة الافتراضية، بحسب سياق الفيلم، هو الحدث الجلل الذي توقف عنده زوجها بدلاً من مشكلة البرود الجنسي العميقة بينهما، فإن انكشاف خلعها لسروال داخلي كانت ترتديه، أمام المُشاهدين، ولو من دون صورة فاضحة لهذا الفعل، هو ما جلب على الممثلة الشتائم والاستنكار إلى درجة الخلط بينها شخصياً وبين الشخصية التي تمثلها. وما أكده الجدل حول الفيلم، مرة أخرى، هو أن مشكلة الثقافة العربية العميمة، اليوم، وبتقهقر مخيف عن الماضي الأرحب، لا تنحصر في إنكار أزمات وقضايا وقصص موجودة فعلاً بين ظهرانيها، ولا في تسليط الضوء عليها ومناقشتها، بل تكمن في تطويق الخيال أولاً، ثم في الخيال هذا إن بات منظوراً للعيان.


وكالات



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2022
top