2022- 08 - 09   |   بحث في الموقع  
logo نصر الله: اليد التي ستمتد إلى أي ثروة من ثروات لبنان ستقطع logo من برج البراجنة… وفاة شابين بحادث سير! (صور) logo "السريّة المصرفيّة" عالق ببعبدا: عون ينتظر رأي صندوق النقد logo تراجع دولار السوق السوداء وارتفاع سعر صيرفة logo الخارجية الأميركية: إتفاق السلام تطور هام لتشاد ونشجع كل الجماعات التشادية على الانضمام إليه logo وزير خارجية تايوان: المناورات البحرية والجوية الصينية تطوق الجزيرة استعداداً لهجومها logo وسائل إعلام إسرائيلية: إغتيال قائد كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح في نابلس logo سماع أصوات انفجارات في مزارع شبعا المحتلة… ماذا يحصل؟
عن كتابة غير المضطهَد عن المضطهَد
2022-08-04 12:56:09

"ممنوع على من هو ليس مضطهَد ان يكتب عن المضطهَد، ممنوع عليه ان يكتب من موقعه". هذه المقولة هي مقولة ذائعة اليوم، بحيث انها تنطبق على كل هؤلاء الذين يكتبون عن المضطهدين بلا أن يكونوهم، وانطباقها عليهم يفضي الى حجر كتابتهم تلك عنهم. فإما أن يكونوا مضطهَدين، وعندها، من الممكن لهم أن يكتبوا عن الاضطهاد الذين يتعرضون له، وإما، هم ليسوا كذلك، وبالتالي، ليس متاحة لهم هذه الكتابة.
قد تكون هذه المقولة دقيقة في حال كون كتابة غير المضطهَدين عن المضطهدين وحولهم، هي كتابة واحدة بعينها، بحيث تحمل الى تنميط المعرّضين للاضطهاد، مدمرةً لغتهم، وفي النتيحة، تطيح بكل إمكانية ان يغدوا على قدرة لتغيير الموقف الذي هم فيه. فعندها، لا بد من وضع حد لهذه الكتابة، لا بد حتى من قلعها، لا سيما أنها، وبالتوازي مع كونها ضد المضطهَدين على الرغم من كونها عنهم، اي على الرغم من كونها تقوم بإسمهم، هي أيضا ضد الكتابة، او بالاحرى هي لا تمت للكتابة بصلة. اثر هذه الكتابة، وبما هي لسان حال مَن يخاف انعتاق المضطهدين، ليس رواجها بين غير المضطهدين فقط، إنما أيضاً -وهنا، كل وظيفتها الاساس- هي اخضاع المضطهَدين، فيتحدثون بها حتى تبدو انها كلامهم، اي انها تخرج منهم. إنها كتابة تحلم بمحو حاملها، لا بوصفه موضوعها فحسب، بل، وباعتباره ناطقاً بها أيضاً: كتابة تجعل المضطهَد عالقاً في اضطهاده.
ولكن، كتابة غير المضطهدين عن المضطهدين ليست واحدة، بل إنها، وحين تكون فعلاً ممارسة، لا تكون تنميطية، بل تكون متعدّدة، وتعدديتها تتعلق بمفعولها. هذا المفعول هو ما يفسر انها ليست على تنميط ما. ففي الاعتقاد أن التنميط هو حبس المضطهَدين في تصور عنهم، والحجز على قدرتهم التي تمكنهم من مبارحته، فتلك الكتابة، التي توصف بالمتعددة، هي، وعلى عكس كل هذا، بمثابة مذهب للقاء المضطهَدين اينما كانوا وكيفما ما كانوا. بعبارة اخرى، هي كتابة لا تخاف منهم، في حين تعرضهم للاضطهاد، او في حين انعتاقهم منه، وتمضي الى احتجازهم في تصور عنهم. لا علاقة لهذه الكتابة بالتصور، لا تمضي على متنه صوبهم، انما تذهب إليهم ملتقية بهم على حد ما يقع بينها وبينهم. قد لا تكون هذه الكتابة هي تلك التي، وبحسب شعار ممجوج ووهمي، تعطيهم الكلام، اي التي تكون صوتهم، هي ليست كذلك، انما هي التي، وفي ذهابها اليهم، تشير لهم الى مكان ما يفصلها عنهم، حيث في مقدورهم ان يكونوا على قولهم، على تكلمهم، من دون الحكم عليه، من دون قولبته، من دون ان يكون مجرد لفظ مشكل على المطلوب منه ان يكون. الكتابة، في هذه الناحية، هي كتابة، لا تفتح ذلك المكان، انما تستوي على كونها بمثابة علامة على وجوده سلفاً. هو مطرح لسير كلام المضطهدين فيه، وبفعل ذلك، هو مطرح لخروجهم من اضطهادهم اليه. لكن، لماذا هذه الكتابة متعددة؟
من جهة، لأن اللقاء، وعلى اساسها، مع المضطهدين ليس لقاءً مفرداً، اي أنه يتعدّد بتعدّد ممارسيها. لكل ممارس لهذه الكتابة لقاءه مع المضطهَدين. وفي الوقت نفسه، لكل مضطهد لقاؤه ايضاً مع هذه الكتابة، ومع ممارسيها. وفي هذا السياق، سياق اللقاء من قبل هذين الطرفين، ثمّة تحول، وبفعل هذه الكتابة المتعددة، يطاول ممارسيها والمضطهدين على حد سواء. ما هو هذا التحول؟ في المكان بينهما، يقع هذا التحول، الذي، ومن ناحية ذهاب ممارسي الكتابة صوب المضطهدين، يجعل الكتابة على مقربة من المضطهدين. جعلهم كذلك يكاد يعني انهم يصيرون على نحوهم، مضطهدين، بحيث انهم يلمسون، وفي قلب الكتابة نفسها، شيئا من حضورهم، بما هو حضور، ليس مهمشاً، إنما براني، معرّض للكمش، للبتر، لأنه يشير الى خارج ما لمجال الاضطهاد، لسلطته، لنظامه، لآلياته. فكتابتهم هذه تحولهم الى برانيين، وبالتالي، تقرّبهم من المضطهدين بالانطلاق من كونهم يشيرون الى وجود خارج لهم، بحيث يمكن ان ينتقلوا اليه معا. ولكن، التحول لا يطال ممارسي الكتابة فقط، بل، وايضا، المضطهدين انفسهم، بحيث انهم، وحين يسير تكلمهم في المكان الذي تشير الكتابة الى وجوده المسبق عليها، هم يتحولون الى هذه الكتابة، اي يصيرون قريبين من الكتاب. هذا لا يعني مباشرةً ان مضطهدا ما يكتب، وينشر، انما، وقبل كل ذلك، هذا يعني انه يتمكن من تكلمه، يسمح لنفسه ممارسته من دون ذعر من حكم عليه او قولبة او تقويل له، وعندها، هو لا يتحدث بالانطلاق مما يكتب عنه، لا يتبنى تصورا عنه، كان قد صاغه ووضعه فيه الخائفون من انعتاقه. من هنا، يمكن القول ان الكتابة، التي تقرب المضهطد منها، هي كتابة تتوقف عنده لكي يستكلمها على نحوه. في هذه الجهة، يمكن الاعتقاد أن الكتابة، وحين تكون على هذه الممارسة، هي تتعدى إشكالية من يكتب حول من، لتصير تحول الكاتب الى المكتوب حوله، والمكتوب حوله الى كاتب، وفي الحالتين، هناك انصراف من اضطهاد.


وكالات



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2022
top